تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

256

عنه بنظره إليهم وسروا أيضا هم به، وأنس بهم وأنسوا به، وقضوه جملة كبيرة مما كان له عليهم، واستأنف معاملة ثانية لهم، وباع رجلا منهم الخادم بربح جيد، فوجه به إلى من باعه له بدون ذلك لحاجته إلى الثمن، وأسلف قوما من المحبسين دنانير كثيرة وابتاع في المطبق رحالات

257

أبيعت يستغلها، وأقام مع غرمائه مقام مستوطن طيب النفس، حامد لله، عز وجل، على ما قضاه عليه، فذكره أحمد بن طولون يوما بعد سنة وشهور فأمر بإطلاقه.

فحدث يعقوب غلام العجيفي قال: دخلت إلى الرجل وأنا مسرور بإطلاقه، فبشرته بذلك، وقلت له: قم انصرف في حفظ الله، قد أمر الأمير بإطلاقك. فقال لي: وكيف أخرج من موضع أكثر مالي فيه، بل جميع ملكي؟ ومع هذا فلي فيه مستغل وأسلاف على جماعة وديون، فزبرته وأنكرت قوله، فصاح وبكى، وأقبلنا نجاذبه على الخروج وهو يجاذبنا على المقام، فرفع خبره إلى أحمد بن طولون فعجب منه وأمر بإحضاره، وقال له: ويحك تختار المقام في المطبق على إطلاق السرب.

258

فقال له: أيها الأمير، لما صار جميع ملكي في حبسك، وحصل لي فيه معاملون، اخترت ذلك، فإن كان لا بد من إخراجي فاتركني حتى أستنظف مالي وأبيع مستغلي. فقال له: وكم تحب أن تقيم كذلك؟ قال: ثلاثة أشهر. فقال له: ويحك أمجنون أنت؟ قال: لا والله، إلا صحيح بحمد الله، ولكن ما تسمح نفسي بترك مالي فيه، مع ما اتفق لي من المعاش مع من فيه. فقال له: فما تشفق على نفسك من شدة الحر فيه والازدحام والضيق؟ فقال له: أيها الأمير، القيسارية إذا ازدحم الناس فيها كانت أشد حرا منه، ويهون ذلك لكثرة الفائدة ولذة الربح، لا سيما ومعاملي فيه ثقات، وأحسن معاملة من التجار وأكرم وأوسع صدرا، وإنه لتسوءني مفارقتهم. فأمر أحمد بن طولون برده إلى المطبق، فلم يزل فيه حتى مات، فكان أمره من العجائب.

قال: ووقف رجل ليوسف بن إبراهيم يوما على باب داره حتى أقبل من الميدان، فلما هم بالنزول صاح به: أنا عائذ بالله وبك، ومستجير من رجل في حاشيتك قريب من قلبك، أثير

259

عندك، فقال له: ومن هو؟ قال: أذكره لك في سر، وأنهي إليك من خبره ما لا يسعك له الصبر عليه. فأدخله معه الدار وخلا به، ففتح كمه فأراه كتابا من موسى بن بغا إليه، وقال له: بعث بي إليك قاصدا وحدك بهذا الكتاب. فصاح به يوسف بن إبراهيم ليسمع من حضره: يا هذا، إن جميع ما ادعيت به، وذكرت أنه ظلمك فيه مائة دينار، ونحن نعطيك إياها، ونزيل ظلامتك. وأمر فأحضرت الدنانير فدفعها إليه، وقال له: امض في حفظ الله، فلم يبق بينك وبينه شيء بعد هذه المائة الدنانير من المطالبات، وأعفنا من تظلمك وتكثرك. فأخذ الرجل المائة الدنانير وخرج، ولم يأخذ منه يوسف بن إبراهيم الكتاب، توقيا وخوفا، ورغبة في السلامة.

فأحضر أحمد بن طولون يوسف بن إبراهيم فقال له: ما الذي كان في كتاب موسى بن بغا إليك؟ فقال له: والله ما قرأت كتابا قط، والذي يجب علي من حق طاعتك فقد عملته. فقال له: فلم لم تقبض على الرجل وتجئني به؟ فقال له: لم يستكفني الأمير، أيده الله، هذا فأكفيه وأمتثل أمره فيه، ومن أتى شيئا من غير أن يندب إليه فساع يتوقع من شره أكثر مما يطلب من خيره. فاعتقله أياما ثم صرفه إلى داره مكرما.

وحدث نسيم الخادم قال: أهدى علي بن ماجور إلى أحمد بن طولون ثلاثة خدم كانوا لأبيه، فأما أحدهم فما خلا من طرفه في وقت من الأوقات، من شدة ملازمته لخدمته، فقال له يوما: أي البلدان أحب إليك أن تكون فيه؟ فقال له: بلد فيه مولاي الأمير. فقال له: ويحك في داري ثلاثمائة خادم، وقد تقدمت عليهم تقدما قصر بجماعتهم في عيني، فأنا أخاف عليك أن تحدث بك حادثة منهم فأغتم بك ولا يمكنني أن أستدرك أمرك، فاختر لنفسك بلدا تكون فيه آمن عليك من حال تلحقك. فقال له: إذا كان الأمر على ما ذكره مولاي الأمير فطرسوس. فوصله بجملة دنانير كثيرة، وأمر له بخيل وبغال وآلة كثيرة، وأجرى له رزقا واسعا، وأنفذه إليها.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٥٥