تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

250

بأشياء لا يسمح بها إلا قلب فاسق.

فقال له أحمد بن طولون: أنت الآن في العاجل قد دللتنا على عورتك، وأعلمتنا أن التجسس المنهي عنه، والظن السيئ المكروه استعماله ، وقد نهي عنه أيضا، من شيمتك، ولله، عز وجل، ستر على عباده لا ينتهك بما التمسته، فأنا أرى أنك إلى التأديب أحوج منك إلى التأنيب. ولعل دخائلك الردية أوضح من دخائل من فسقته ورميته بما لا يجوز في الدين أن يقطع مثله على مسلم في الحكم.

قال هارون بن ملول: فقال رجل ممن حضر: أيد الله الأمير، هذا الرجل أعرفه وقلبي يكرهه؛ لأن قصده أن يترأس لدنيا يصيبها بالكذب على الناس، وأنا أشهد وجماعة من حضر أن مسكنه الذي ينزله غصب، وأن طعمته

251

إخافة المستورين. فقال جميع من حضر من الشيوخ: صدق، أيد الله الأمير. فأمر به فضرب مائة سوط وطيف به البلد على جمل، ونودي عليه بما قيل فيه، وحبس في المطبق.

252

وحدث أحمد بن أيمن قال: كان لأحمد بن طولون ساع يسعى بالكتاب والمعاملين إليه، وكان من أبناء قبط مصر يعرف بأبي الذؤيب، حسن الموضع منه، وكان قد أجرى عليه وأحسن إليه بنصحه له، وكان ربما أكل معه، وربما جلس ينادمه بين يديه. قال: فاجتمعنا يوما عند أحمد بن طولون، فقال أحمد بن طولون لكنيز المغني: أنا أشتهي صوتا ما سمعته منذ خرجت من سر من رأى. فقال له: وما هو أيها الأمير؟ فقال:

ألا سقيتم بني حزم أسيركم

نفسي فداؤك من ذي غلة صاد

فقال له: ما أعرفه يا سيدي، وما استهواني من تقريب أحمد بن طولون لي وإيناسه لي [دعاني] إلى أن قلت: أنا أحسنه. ففرح بذلك فاندفعت، لما تبينته من سروره، أغنيه إياه، وكان أحمد بن أيمن هذا حسن الصوت، فطرب أحمد بن طولون طربا شديدا، حتى صفق بيديه، قال أحمد: فحملني سخف الطرب لما رأيته من سرور الأمير إلى أن قمت فرقصت على إيقاع اللحن، فزاد سرور أحمد بن طولون بذلك، وغمزني على أبي الذؤيب الساعي أن أسقط عليه، فتزالقت

253

على البساط وألقيت نفسي عليه، فأظهر أنه ألم لذلك، فأخذ يبكي كما يبكي الصبي، لعاميته وسوء أدبه، فصاح عليه أحمد بن طولون، فقال له : لم يوجعني ما وقع علي، أيد الله الأمير، من جسمه وعظم جثته، وإنما آلمني ما على ظهره من البدر التي اختانها وحصلها من مال الأمير، أيده الله. فقال له أحمد بن طولون: أمسك، وارفع هذا إلى الصحو، ولا تخلط الجد بالهزل. فتبينت غلطي بفرط الانبساط، فما مضت إلا مديدة حتى قبض علي أحمد بن طولون، وحبسني، وأخذ جميع ما كان لي، وما خرجت من حبسه إلا بعد وفاته، أطلقني ابنه أبو الجيش.

وحدث العجيفي

254

وكان يتولى شرطة أسفل: أن رجلا من التجار يعرف بالستر والسلامة، ابتاع خادما مما أبيع من تركة وكيل أحمد بن طولون الذي قبض عليه، المعروف بابن مفضل، بمائتي دينار، وأنه أخذ جوازا وخرج بالغلام إلى الشام، يؤمل في بيعه هناك ربحا، فلما بلغ العريش، وكان بها وال يعرف بحبيب المعرفي قد نصبه أحمد بن طولون ليتأمل ما يرد من الكتب ونفيس الأمتعة إلى الفسطاط، فقرأ الجواز وقال: قد كان يجب أن يحكى في هذا الجواز حلية هذا الخادم. فقال الرجل: أنا أشتريته من الواسطي. فقال: لست أطلقه إلا بعد الاستئمار

255

فيه، فكتب إلى أحمد بن طولون بخبره، فكتب إليه يأمره بإشخاصه إليه، فأشخص التاجر والغلام، فلما وافى وأدخل مع الغلام إليه، قال له: من أين لك هذا الخادم؟ قال: ابتعته من الواسطي كاتبك مما باعه من تركة ابن مفضل. فقال له: أين كنت عازما به؟ قال: أستقري به البلدان حتى أجد فيه ما أؤمله من الربح. فقال: اكتبوا له جوازا وحلوا فيه الخادم، وأطلقوا سبيله. فقال: أيها الأمير، فعلى من نفقتي في مجيئي ورجوعي بغير ذنب ولا جناية وجبت علي حتى أشخصت؟ فقد علم الله، جل اسمه، ما داخل قلبي من ذلك من الغم والجزع وأتكلف نفقة ثانية؟ فقال له أحمد بن طولون: لا، ما نكلفك نفقة، كم كانت نفقتك في خروجك ورجوعك؟ قال: عشرة دنانير. فأمر بدفعها إليه، وتحقق بذلك منه أنه من أهل السلامة، فخرج ولم يدع له، فكتب صاحب الخزانة بما سمعه تكلم لما لحقه من التعب والمشقة في دخوله ورجوعه بما أنكره أحمد بن طولون، فأمر به إلى المطبق، فلما دخله وجد فيه جماعة من غرمائه الكتاب والقواد الذين كان قد أيس أن يرى أحدا منهم أبدا، فسر بهم وسري

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٥٤