وحدثت نعت أم ولد أحمد بن طولون قالت: كانت لمولاي زوجة من بنات الموالي تزوجها بمصر، وكانت من أحسن النساء وأجملهن وجها وخلقا، يقال لها: أسماء، قالت: فقلت له يوما: يا مولاي ليست خلوتها معك على قدر محلها منك، وما يقتضيه حسنها وجمالها ومحلها أيضا. فقال لي: ويحك هي صغيرة الكف قصدة الخلق، وأكره أن يكون هذا في ولدي منها؛ فلهذا أتوقف عنها كثيرا.
وحدث أحمد بن القاسم أخو عبد الله بن القاسم كاتب العباس بن أحمد بن طولون قال: حدثني أخي عبد الله قال: بعث إلي أحمد بن طولون بعد أن مضى من الليل نصفه، فوافيته وأنا منه خائف مذعور، فدخل الحاجب بين يدي وأنا في أثره، حتى أدخلني إلى بيت مظلم فقال لي: سلم على الأمير. فقلت: السلام على الأمير ورحمة الله وبركاته. فقال لي من داخل البيت وهو في الظلام: وعليك السلام، لأي شيء يصلح هذا البيت؟ فقلت: للفكر. فقال: ولم؟ فقلت: لأنه ليس فيه شيء يشغل الطرف بالنظر فيه. فقال لي: أحسنت بارك الله عليك، امض إلى العباس فقل له: يقول لك الأمير اغد علي، وامنعه من أن يأكل شيئا من الطعام، إلى أن يجيئني فيأكل معي، واحذر ذلك. فقلت: السمع والطاعة لأمر الأمير، أيده الله. وانصرفت ففعلت ما أمرني به ومنعته من أن يأكل شيئا.
وكان العباس قليل الصبر على الجوع، فرام أن يأكل شيئا يسيرا قبل ذهابه إلى أبيه، فمنعته فركب إليه، وكان يوم خميس، فجلس بين يديه، وأطال أحمد بن طولون عمدا حتى علم أن العباس قد اشتد جوعه، فأحضرت المائدة ولم يقدم عليها إلا سمانى
247
زيرباجا
248
فانهمك العباس في أكلها لشدة جوعه، وامتدت يده إلى صغار ما كان من البوارد
249
على المائدة فشبع من ذلك الطعام، وأبوه متوقف عن الانبساط في الأكل، فلما علم بأنه قد امتلأ من ذلك الطعام أمرهم بنقل الطعام، فأحضر كل لون طيب، لا يخلو من أن يكون دجاجا ثقيلا وفراخا مسمنة، ثم لبن بالبطة السمينة والجدي الرضيع والخروف النادر وما شاكل ذلك [مما] يؤكل من جميع الحيوان مشويا، فانبسط أبوه في جميع ذلك فأكل، وأقبل يضع بين يدي ابنه منه، فلا يرى فيه حيلة لأكله وشبعه.
فقال له: إنني أردت تأديبك في يومك هذا بما امتحنتك به، لا تلق بهمتك على صغار الأمور بأن تسهل على نفسك تناول يسيرها، فيمنعك ذلك عن كبارها، ولا تشتغل بما يقل قدره فلا يكون فيك فضل لما يعظم قدره، وهذا يا بني نظير تشاغلك بالسمانى وهو من صغار الطير، ولم تتوقف عما تعلم أنه يحضر مائدة أبيك مما هو أجل من السمانى وأطيب وأمتع، فلما حضر لم يكن فيك لشيء منه فضل وقد تتبعته نفسك فما قدرت عليه.
وليس يتصل بي أنك أخذت من رجل على حاجة تقضيها له أقل من خمسمائة دينار، لا يجد صاحبها مسا معها ، ولا إجحافا فيها، إلا غضبت عليك، ونلت كاتبك بغليظ العقوبة، ولا تستدع البر على الحوائج، ولكن أقمه مقام الهدية التي تفيدها إذا جاءت عفوا، واحذر أن تقتضيها إن تأخرت عنك، وكافئ على الهدية بأحسن منها، فإن أعظم الفقر فقرك إلى رعيتك، وقد جعلت بما عملته معك اليوم تأديبا ومعاتبة وتنبيها لك على ما فيه رشدك، وفقك الله وسددك، ولا ساءني فيك. فقبل يده، وقبل منه، وامتثل أمره.
وحدث هارون بن ملول قال: وقف بعض من ينتحل التصوف من المصريين لأحمد بن طولون، وقد انصرف يوما من صلاة الجمعة، فقال له: أيها الأمير على رسلك. فوقف، فقال له: اتق الله الذي إليه معادك وراقبه؛ فقد أرعبت الناس وأخفتهم خوفا قد منعهم من صدقك عن كل ما يجري مما يكرهه الله، عز وجل، ولا يرضاه، وأنا لسان جماعتهم إليك. فأمر بالقبض عليه، فلما نزل أحضر إليه شيوخ البلد ووجوهه، وكان الناس إذ ذاك متوافرين.
فلما اجتمعوا وافى صاحب خبر السر الذي يكتب كل ما يجري، فدفع إليه رقعة فيما خاطبه به الصوفي، فأمر كاتبه أحمد بن أيمن بقراءتها على الشيوخ فقرأها عليهم، وسألهم عما أنكروه من أمره حتى بعثهم إلى إيفاد الصوفي إليه، فحلفوا له بالله، عز وجل، وبالطلاق والصدقة أنهم ما بعثوا إليه أحدا، ولا أنكروا له فعلا، فأحضر الصوفي وقال له: زعمت أن أهل البلد نصبوك للقول فيما أنكروه، فقال: نصبني لهذا المظلوم والمقهور ممن لحقه جور أصحابك. فقال له: لست أعجل عليك، أخبرني: ما الذي اتضح عندك حتى دعاك إلي؟ فقال: بعض أصحابك منذ ثلاثة أيام أنا أتلطف وأبحث عما قد رابني منه، حتى وقفت على أن امرأة طبالة لا سبيل له عليها تدخل إليه وتبيت عنده كل ليلة، واشترى رجل من أصحابك أيضا غلاما أمرد فنصب له طرة وقرطقه