هل جزاء الإحسان إلا الإحسان
لعمرت بك المطبق، ولكن احذر أن تعاود مثلها، ولا تستبدن بأمر تأتيه دون أن تعرفنا به، ولا تطو عنا خبرا ولا سرا ولا قصة ترفع. فقال له: أقلني أيها الأمير أقالك الله، فوالله لا أعود إلى مثلها أبدا. قال: فانصرف إلى موضعك.
ثم أقبل على القائد فقال له: أفي رزقك تقصير عن مؤنتك؟ قال: لا. قال: فأخر عنك استحقاقك تأخيرا يضطرك إلى ما أتيته؟ قال: لا. قال: فبأي حال استحللت أن تأخذ من هذا البائس الضعيف ما تقطع به قلبه وتبكي عينه، وتفقره وأهله؟ ألك حاجة أوجبت ذلك عليك أو ضرورة دعتك إليه؟ المطبق. فأخرج من بين يديه إلى المطبق على موضعه منه، ومحله في نفسه، فخرج وهو آيس من الحياة، وأمر الراهب بالانصراف.
وحدث أبو كامل شجاع بن أسلم الحاجب، قال: لما أطلقني أحمد بن طولون ألزمني دار الصناعة،
240
فدعاني يوما فقال لي: كل ما تعمل [لي من العدة] يكتفى فيه بالقليل، مع [تقدم] هيبتي في صدور الناس إلا المراكب؛ فإن البحر لا يهابني، ولا يخاف سورتي، وليس يعمل في البحر إلا الوثاقة، والجودة في الصنعة، وتقديم الإحسان، فقدم الحزم في الاحتياط، والاستزادة في الإنفاق على المراكب، لتسلم بعون الله، عز وجل، وتوفيقه من معرة البحر.
وحدث قال: دخلت أم عقبة الأعرابية يوما إلى أحمد بن طولون ومعها ابنها عقبة، وكان كثيرا ما يأنس بها، ويحب محادثتها لفصاحتها وحسن كلامها، وكان يكثر برها في كل وقت، فسألته التقدم في تصريف
241
ابنها فيما يعود عليه نفعه، فقال لابن مهاجر، وهو بين يديه: انظر له في شغل يعود عليه فيه خير يبين عليه. وكان البريد إليه، فقلده ابن مهاجر بريد ناحية من النواحي، وأجرى عليه من الرزق عشرة دنانير في كل شهر، فحدث ابن مهاجر قال: إني لقاعد بين يدي أحمد بن طولون بعد ثلاث، حتى دخلت أم عقبة على الأمير فقالت: أنا شاكرة للأمير، أيده الله، ذامة لهذا الرجل، تريدني، فقال لها: ولم ذاك؟ فقالت: أمرته في إشغال ولدي فيما يعود عليه نفعه فشغله فيما لا يرحض
242
عن رءوسنا عاره وشناره، والجوع الكريم أنفع من الشبع اللئيم، فقال لها: وما ذاك؟ قالت: وكله بالنميمة يحصيها على المسترسل، ويهتك بها المستتر، فقد تحاماه الناس وتناذروه
243
فإذا لم يكن غير هذا تركته، ولم أتعرض لما فيه مقت الله، عز وجل، وسب عباده. فضحك أحمد بن طولون، وأمرني أن أجري العشرة دنانير في كل شهر، وأعفيه من البريد ففعلت، فشكرت ودعت وقالت: هذا الأشبه بك أيها الأمير. وانصرفت.
وحدث نسيم الخادم قال: ما خلت دار مولاي قط من كاتب خفي الشخص، موثق عنده، يعرف بكاتب السر، يرتصد في سائر يومه مناظرته لمن ناظره، فيكتب الابتداء والجواب في كل ما يجري، فإذا انقضى يومه أنفذ جميع ما يثبته مع خاصة يثق به فيقرأ ذلك ويتدبره، فإن كان فيه شيء يحتاج إلى مداركته بتغيير أو زيادة تقدم في ذلك بما يمتثل.
وحدث نسيم الخادم أيضا قال: كان لمولاي في مقرنس
244
سقف مجلس بين يديه ألف بدرة،
245
قد أحكمت مواضعها واستوثقت منها بالخشب الغليظ والنخل الصلب والعمل المحكم. وكانت بين يديه يراها ولا يراها غيره ممن يكون بين يديه، إذا دخل وباب المجلس مفتوح، ولم يكن يعلم بذلك، فلا يراعيه غيره وغيري قط. وكان قد أكد علي في مراعاته وجعلته اهتمامي. قال: وكان في الدار غراب شديد الأنس، وكان مولاي يعجب بصياحه، وما كان يمضي يوم إلا ومولاي يدخل ذلك المجلس يتأمل البدر، فدخل يوما فرأى بدرة مخلخلة، فتقدم بإنزالها فأنزلت، فأمرني بفتحها ووزنها، فنقصت عما كان فيها أربعين
246
دينارا، فقال لي: يا نسيم من تظن أنه أخذها؟ فقلت: ما يدخل هذا المجلس غيرنا أنا ومولاي، ولكني أراعي هذه الحال. فقال لي: افعل. وشغل ذلك قلبي، فبينا أنا أراعيه يوما إذ نظرت ذلك الغراب قد دخل البيت فنقر البدرة من خياطتها فأخرج منها دينارا واحدا، فمضى به، فمشيت خلفه حتى أتى به إلى شق بين بلاطتين فألقاه فيه، فدخلت إلى مولاي فخبرته بذلك فعجب منه، وقام فأتى الموضع، ودعا بالمبلطين فقلعوا تينك البلاطتين، فوجدنا الدنانير التي نقصت والدينار الآخر، لم يذهب من ذلك شيء، فضحك مولاي وقال لي: يا بني، لو كانت هذه الدنانير لمسكين أو متجمل ما وجدها، ولكن يا بني المقبل محروس. وتصدق في ذلك اليوم صدقة كبيرة.