تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

209

فكان ينشر منه ويسطح ويعمله جيرا ويبني إلى أن فرغ من جميعه وبيضه وخلقه وفرش في الحصر، وعلق القناديل والسلاسل الطوال الغلاظ الحسان، وحمل إليه صناديق المصاحف ونقل إليه الفقهاء والقراء، وتصدق في ذلك اليوم صدقات عظيمة فيه وعمل طعاما واسعا كبيرا، وحمل إليه فأطعم سائر من حضر، وكان يوما عظيما نبيلا جليلا.

وراح أحمد بن طولون ونزل في الدار التي عملها فيه للإمارة وقد فرشت، وعلق فيها الستور وحمل إلى خزائنها الآلات والأواني التي يحتاج إليها، وصناديق الشراب فيها من كل نوع من الأشربة وما شاكلها، فنزل فيها أحمد بن طولون وجدد طهره وأبدل ثيابه وتبخر، وخرج من بابها إلى المقصورة، فركع وسجد شكرا لله على ما أعانه عليه من ذلك ويسره له، فلما أراد الانصراف خرج من المقصورة حتى أشرف على الفوارة وخرج إلى باب الريح، فصعد النصراني المنارة ووقف إلى جانب المركن النحاس، وصاح بأحمد بن طولون: أيها الأمير، عبدك يريد الجائزة، ويسأل الأمان ألا يجري عليه مثل ما جرى في المرة الأولى. فقال له أحمد بن طولون: انزل ويلك يا كافر. فقال: وحق رأس الأمير لا نزلت أو تؤمنني. فقال له: انزل فقد أمنك الله ولك الجائزة. فنزل وأمر له بعشرة آلاف دينار، وخلع عليه، وأجرى عليه رزقا واسعا.

قال: ومن أفعاله الجميلة ما كان يحمله إلى طرسوس وغيرها من الثغور من المال العين والسلاح والكراع والثياب ما لم يحمله إليها أحد قط، ولم يغيره على أهل طرسوس شيء مما أنكره من فعلهم، فيقصر عن ذلك مجازاة لهم؛ لأنه كان يقصد بفعله الله وحده جل اسمه.

ومن ذلك بناؤه حصن يافا؛ لأنها لم يكن لها حصن، ومات قبل الفراغ منه، وأتمه من بعده ابنه أبو الجيش.

210

ومنها ما كان يحمله إلى الحرمين من المال والعين والحنطة و[الشفوف] والثياب وكل ما يحتاج إليه أهلوها.

211

ومنها تفقد أهل الستر والمتجملين وضعفاء النواحي ممن يلزم المساجد، ويسأل عن النساء المستورات في منازلهن ومحالهن، فيجريهن مجرى الرجال من معروفه ويفضلهن.

212

وحدث أبو جعفر المروزي، قال: دعاني أحمد بن طولون يوما ودفع إلي رقعة وقال لي: سل عمن فيها فهم سجنة حبس القاضي، وانظر الدارج الحال منهم المستقل، وأثبت لي أسماءهم وأحوالهم وأسماء خصومهم، قال: فمضيت فسألت عنهم، وأثبت أسماءهم وأحوالهم وخصومهم، وذكر الموجد منهم والمعدم، وأحضرته العمل بذلك، فأحضر وكيله ابن مفضل فقال له: اجتمع مع أبي جعفر المروزي حتى تنظر في أمر هؤلاء القوم، وتحضروا خصومهم وترضوهم عنهم، وتثبتا مبلغ ذلك وتعرفاني به. فاجتمعنا وعرضناهم وأرضيناهم عنهم بمصالحة لواحد، وأن يدفع إلى آخر ماله كله لتشدده أو لاختلال حاله أيضا حتى فرغنا من جميعهم، فكان مبلغ ما لزمه من ذلك عشرين ألف دينار، وجئناه بالعمال فأطلق المال باستبشار وفرح وسرور وطيب نفس، وحمد الله، عز وجل، وأمر بأن ينصرف جميع المحبسين إلى منازلهم، فمضينا ودفعنا المال إلى أربابه، فأكثروا له الدعاء والشكر، وأطلقنا الجماعة من حبس القاضي وهم مبتهلون إلى الله، جل اسمه، بالدعاء له، فعدنا إليه فعرفناه ذلك فقال لنا: من أنا لولا توفيق الله، عز وجل، إياي؟ وإنه جل اسمه ليلهمني أن أحنو على الضعيف وأسطو على العنيف، وهكذا وصف الله، عز وجل، خلصه

213

فقال:

أشداء على الكفار رحماء بينهم

فالحمد لله على ما من به علي من ذلك.

قال مؤلف هذا الكتاب: وللحجاج بن يوسف حكاية مثل هذه، إلا أن الحجاج زكى نفسه، وأحمد بن طولون استكان لربه.

حدث الحسن بن القاسم الأنباري أن امرأة عارضت الحجاج بن يوسف فقالت له:

تق الله يا حجاج فينا فإننا

بقية شول

214

غاب عنها فحولها

وإلا تداركنا ابن يوسف رحمة

بكفيك أمسى صعبها وذلولها

فقال لها: ما خطبك؟ فقالت: غربت زوجي مع ابن أبي بكرة، وقد طالت غيبته وخفنا بعده الضيعة والعار، فأمر بالكتاب إلى ابن أبي بكرة بإقفال زوجها وكل من خرج معه، فولت تقول:

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٤٥