تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان أحمد بن إسماعيل هذا قد أشار على أحمد بن طولون بمشورة فتعداها، فبسط لسانه فيه على جهة الإشفاق عليه، وقال: ليس هو ممن تمرن في الرياسة وفيه لجاج لا يؤمن عليه منه. فبلغ ذلك أحمد بن طولون فحبسه في المطبق، ومنع من كان يبسط عليه عائدته حتى مات.

وكل هذه الأحوال التي عددنا فالعذر فيها كلها بين لأحمد بن طولون، والذنب لمن يبسط لسانه في مثله ويتعدى إلى غير ما هو أهله.

وكان قد بقيت لأحمد بن طولون بقية كبيرة من خراج البلد على بعض المتقبلين ذهب عني اسمه فاستتر، وكان قبل استتاره قد عمد إلى ربع له نفيس يفي بما عليه من الخراج، وفضل حبسه على ولده وخرج عن البلد، ورفع خبره إلى أحمد بن طولون فطلب، فقيل له: قد هرب وفات وخرج عن البلد. فأحضر بكار بن قتيبة القاضي وقال له: صاحبك يقول بحل الحبس في الدين فتحل حبس هذا الهارب منا حتى نأخذ مال السلطان منه؟ فقال له بكار: لا تفعل ولا تستن سنة يستن بها فيك؛ لأن لك أوقافا على وجوه فإن حللت حلوا عنك. فتوقف عن ذلك وكف عنه وشكر لبكار مشورته عليه.

202

وأما رغبته كانت في أبواب البر التي كانت له فكانت ظاهرة بينة واضحة، بشهوة شديدة ونية صحيحة ؛ فمن ذلك بناء الجامع والبيمارستان

203

وما ضمنه خزائنه من العقاقير النفسية الخطيرة والدرياقات المعروفة التي ليست إلا في خزائن الملوك والخلفاء، فلم يكن يعدم في بيمارستانه شيء من الأدوية ولا العقاقير الرئيسة؛ مثل دواء المسك وغيره مما لا يوجد مثله. واشترى له المستغلات النفسية التي يفي بعضها بجميع حوائجه إذا أبقى الله، جل اسمه، من يتولاها.

ثم العين التي بالمعافر بناها بنية صحيحة، ورغبة قوية جميلة، حتى إنها ليس لها نظير، ولقد اجتهد الماذرائيون

204

وأنفقوا الأموال الخطيرة ليحكوها فأعجزهم ذلك؛ لأنها وقعت في موضع جيرانه كلهم محتاجون إليها، وهي مفتوحة طول النهار لمن كشف وجهه للأخذ منها، ولمن كان له غلام أو جارية، والليل كله للضعفاء والمستورين والمستورات، فهي لهم حياة ومعونة. واتخذ لها المستغل الذي فيه فضل عن الكفاية.

حدث ابن قراطغان أن الذي تولى لأحمد بن طولون بناء هذه العين رجل نصراني حسن الهندسة حاذق فيها

205

وأنه دخل إلى أحمد بن طولون عشية من العشايا فقال له: فرغت مما تحتاج إليه فيها لنركب إليها نراها. فقال له: يركب الأمير، أيده الله، في غد، فقد فرغت. فركب وتقدم النصراني فتأمل منها موضعا يحتاج إلى قصرية

206

جير وأربع طوبات

207

فبادر فعمل ذلك. وأقبل أحمد بن طولون يتأمل العين، واستحسن جميع ما شاهده منها، ثم أقبل إلى الموضع الذي فيه قصرية الجير ليقف، فلرطوبة الجير لما وضع الفرس يده على الموضع غاصت فيه، وكبا بأحمد بن طولون فرسه، فلسوء ظنه قدر أن ذلك لمكروه أراده النصراني به، فأمر به وشق عنه وضربه خمسمائة سوط وأمر به إلى المطبق، وكان المسكين يتوقع الجائزة فأنفق له إنفاق سوء، وانصرف أحمد بن طولون.

وأقام النصراني في المطبق إلى أن أراد أحمد بن طولون بناء الجامع، فقدر له ثلاثمائة عمود، وقيل له: ما تجدها أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف وفي الضياع الخراب فتحمل إليه فأنكره ولم يختره وتعذب قلبه بالفكر في أمره، وبلغ النصراني وهو في المطبق الخبر فكتب إليه يقول: أنا أبنيه للأمير ، أيده الله، كما يحب ويختار بلا عمود إلا عمودي القبلة، وأحضره فأدخل إليه وقد طال شعره حتى سقط على وجهه، فقال له: ما تقول ويحك في بناء الجامع؟ فقال له: أنا أصوره للأمير حتى يراه عيانا بلا عمود إلا عمودي القبلة، فأمر بأن تحضر له الجلود

208

فأحضرت، وصوره له فأعجب به واستحسنه فأطلقه وخلع عليه وأطلق له النفقة عليه مائة ألف دينار، فقال له: أنفق وما احتجت إليه بعد ذلك أطلقناه لك، فوضع النصراني يده في البناء في الموضع الذي هو فيه وهو جبل يشكر،

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٤٤