تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شكونا إلى الحجاج ما قد أصابنا

فكان كريما عالما بالنوائب

بصيرا بما يأتي حليما عن العدى

غيورا على البيض الحسان الكواعب

فقال لها الحجاج: صدقت وكذبت، أنا كريم عالم بالنوائب، بصير بما يأتي، غيور على البيض الحسان، ولست بحليم على العدى، أنا كما قال حميد الأرقط:

خلقت ثكلا للعدو الجاحد

أضرب منه موضع القلائد

بالسيف ضرب الهندكي الحاقد

215

وحدث أبو جعفر المروزي قال: كان أحمد بن طولون من حفاظ القرآن، [المتقنين] حفظه ومن الدارسين الحذاق، فكان يحب حفاظ القرآن ويكثر [مواصلتهم] بصلاته، ويطرقهم سرا في مواضعهم حتى يسمع قراءتهم، فيتبين منزلة واحد واحد في حفظه، ويصلي خلفه إما الصبح وإما العتمة، يركب حمارا ومعه غلام واحد، متنكرا لا يعلم به أحد، ولا يعرفه من يراه، حتى يصلي خلفه، ويعود في السحر إن كان صبحا أو بعد عتمة، ولا يقطع برهم في كل وقت.

فدعاني يوما وقال لي: أتعرف إماما يصلي بالمنامة

216

في موضع كذا وكذا؟ فقلت له: نعم، أنا أعرف المسجد، وما أعرف الرجل. فقال لي: إنه حسن الصوت جيد الحفظ، فخذ معك خمسين

217

دينارا وامض إليه، فإني لا أشك أنه في ضيقة، فصل خلفه، فإذا فرغ وخلا فوانسه حتى ينبسط إليك، والطف به حتى يأنس بك، فإذا أنس فادفع هذه الدنانير إليه، وسله عن دين إن كان عليه، فإن ذكره لك فاقضه عنه، وعرفني ما يكون منك في أمره فإني أراعيه.

قال أبو جعفر: فعجبت من تغلغله في معرفة هؤلاء القوم واحدا واحدا، وهم في أطراف البلد، وفي مواضع متفرقة لا يكاد يعرف أكثرها أهل البلد ، ثم علمت أن دينه ورغبته في الخير حملاه على ذلك، مع توفيق الله، عز وجل، له، ولن يوفق، جل اسمه، من عبيده لما يرضاه إلا من يختاره، وله عنده منزلة.

فبكرت في السحر إلى المسجد، وصليت خلف الرجل، فسمعت إماما طيبا حسن الصوت، فلما فرغ من الصلاة وانصرف الناس جلست أحادثه، فلم أزال أوانسه وأذكر له أخبار الصالحين، وما يصلح أن أحدثه لمثله حتى أنس وانبسط، وسألني عن حديثي وعن حالي، وقال: قد آنستني فأحب ألا تقطع مؤانستك فقد سررت بك. فسألته عن أحواله وعن تصرف الزمان به، فشكا إضاقة وقال: أغلظ ما حل بي أني وقفت في المحراب أمس أصلي فغلطت في قراءتي وما جرى علي هذا [قبلا]. فقلت: هذا يدل على شغل قلب وغم. فقال لي: نعم، منزلي خلف قبلة هذا المسجد، فجئت إلى الصلاة وزوجتي تطلق، فلما وقفت في المحراب سمعت صياحها من شدة الطلق، ففكرت أنه ليس لها في البيت دقيق ولا خبز ولا زيت ولا معي شيء أنفقه عليها فغلطت. فقلت: موضع يا سيدي ما تلام على ذلك. فأخرجت إليه الدنانير وقلت له: هذه الدنانير من جهة صالحة ترضاها، فخذها وتفرج بها. فتوقف عن أخذها، فحلفت له أنها من جهة مرضية، ليس عليه فيها تبعة، فأخذها وحمد الله، جل اسمه، وأثنى عليه، وانبسط وجهه بعدما كان كالناعس وأنا أحدثه، وكأنه في موضع آخر مشغول القلب والفكر، ثم سألته عن دين إن كان عليه، فقال: نعم، علي دين، وكان أيضا قلبي به متعلقا لتأخيره عن أصحابه، والساعة أبتدئ بقضائه. فقلت له: كم هو؟ فقال: خمسة عشر دينارا. فدفعتها إليه وقلت له: اقضها ولا تثلم هذه الدنانير، واتسع أنت وعيالك بها. فزاد في حمد الله، عز وجل، وشكرني، وسألني: من أي جهة هي؟ فلم أذكرها له، كما أمرني أحمد بن طولون.

وعدت إليه لأعرفه ما كان، فما وصلت إليه يومي، فلما كان من غد صرت إليه فخبرته بما جرى بيننا، فقال لي: صدق. ولقد وقفت خلفه مرارا فما سمعت منه غلطا إلا أول أمس، فإني رددت عليه في ثلاثة مواضع، وصليت اليوم خلفه فقرأ القراءة التي أعرفها منه، فحمدت الله، جل اسمه، على ما وفقني له في أمره. ثم أمرني بإثبات اسمه في الدفتر الذي فيه أسماء المستورين والمستورات الذين يجري عليهم في كل شهر خمسة دنانير على كل رجل وامرأة، وأجرى عليه مثلهم.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٤٦