تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأحضرتني أخته ذلك الطفل الذي كنت رميته، والله ما قدرته يعيش، ولا سألت عنه ولا فكرت فيه، فقالت له: يا بني، هذه أمك فبس

189

رأسها، فانكب على رأسي وبكيت وبكى وبكت أخته، وإذا بها قد اشترت له داية وأفردته في موضع معها، وكبر فعلمته مع ابنه القرآن وجميع ما علمه ابنه من الآداب وأنجب أيضا، على أنه بعض ولد الجيران وأحضرت أخاه فقالت له: يا ابن أخي، هذا أخوك فتعانقا، ووقف كل واحد منهما على صورة الأمر، واتفقت الحال بينهما، فتسخمت

190

أنا وأخته عليه، وجززنا شعورنا، ولزمنا الحزن عليه، فماتت أخته حزنا وبقيت أنا وابني وأخوه معي، وخلف له شيئا يسد حاجتنا،

191

فأنا ألزم قبره ولا أنسى جميل فعله، ولا يزول من قلبي حزنه. فقال لها أحمد بن طولون: رحمه الله ورضي عنه، فما في الدنيا أكرم من هذا الرجل ولا أجمل فعلا، وأحسن الله جزاءك إذ عرفت له مقدار فعله بك، وكثر الله في النساء مثلك، فإن يكن لك حاجة أو نابتك نائبة، فعرفيني فقد لزمني حقك، ووجب علي حفظك. فدعت له، وانصرف أحمد بن طولون وقد أبكته وأحزنته.

قال: وحمل أبو الفتح محمد بن الفتح أخته خديجة إلى أحمد بن طولون في آخر سنة خمس وستين ومائتين وكان المعتمد قد عقد بينهما نكاحا، وكانت أخته يومئذ تحت المعتمد بالله، فقلد أحمد بن طولون محمد بن الفتح ديار مضر. وكان الحسن بن مخلد قد نفاه السلطان إلى الرقة؛ لأنه أساء إلى الأولياء والكتاب، فكتب إلى أحمد بن طولون يذكر له رغبته في المقام عنده وفي كنفه، فأنفذ محمد بن الفتح كتابه إليه بذلك، فأجابه أحمد بن طولون: أنا وليك ومقام صنيعتك؛ لأنه كان الوزير، وصوب رأيه فيما انتواه فرحل إليه، فلما قارب أعمال مصر منعه صاحب البذرقة

192

وكتب إلى أحمد بن طولون بخبره، وكتب إليه أيضا الحسن بن مخلد، فكتب أحمد بن طولون إلى صاحب البذرقة يأمره بحمله مكرما فحمل إليه، فلما وصل إلى أحمد بن طولون أظهر إكرامه وإعزازه، والتجمل له والبشر به.

ولم يزل عنده على هذه الحال إلى أن تأمل أحمد بن طولون منه أنه يرى أن فعله ذلك به، باستحقاق له عليه، وأقبل يتبسط بين يديه تبسط المتبوع مع التابع، ولم يزده أيضا مهابة، ولا توفية حقه، فأحفظه ذلك عليه، وكان ينادمه فحضر يوما محبوب بن رجاء معه بحضرة أحمد بن طولون فقال لمحبوب على جهة المداعبة:

فاح ريح الخمائم

193

من سراويل قاسم

يعرض بأن أم محبوب بن رجاء اسمها قاسم، وذهب عنه أن اسم أم أحمد بن طولون قاسم، فقال له محبوب بن رجاء؛ لينبه أحمد بن طولون عليه: أويذكر لأمي وقد كانت مهابة [؟] أو يقال فيها هذا؟ إنما المنكر أن يكون الوزير أخيف

194

إحدى عينيه زرقاء والأخرى سوداء، وهذا في الدواب مشئوم، فكيف في الوزراء؟ فأحفظ أحمد بن طولون قول الحسن بن مخلد وخبأ ذلك له، فلما كان بعد أيام أحضره أحمد بن طولون لمنادمته على الرسم فغنى، وقد سكر، بالنبطية

195

وصفق بيديه، ثم زاد عليه السكر وملكه فقال:

أيا ويحك كم تصعد

لقد جزت مدى الفرقد

ولو زلت بك النعلا

ن لاستوبأت ما تحمد

فاغتاظ أحمد بن طولون غيظا شديدا، وأمر به فجر برجله إلى الحبس، فما زال محبوسا حتى خرج أحمد بن طولون إلى الشام، فحمله معه مقيدا فمات في الطريق، فدفن في قصر عيسى بن شيخ الخشاشي.

وكان ابن مخلد قد خبر ابن طولون عن أحمد بن محمد بن مدبر، بما كان يكتب به أحمد بن محمد بن مدبر في أمره إلى السلطان ، ودفع إليه كتبا منها ما يقول فيه بخطه: وإنه قد عزم على أن يقيم بمصر خليفة، ويصف غدره، ويذكره بكل قبيح ويشير بعزله، ويخيف السلطان منه، ويذكر ما قد اختزله من الأموال، فكتب أحمد بن طولون من وقته إلى سعد الفرغاني، وكان من قواده وثقاته، وهو بالشام مقيم، أن يشخص إليه ابن مدبر فأشخصه، فحبسه في حجرة من داره مكرما، ولم يدر ابن مدبر ما عرفه به الحسن بن مخلد، وقرره له عنده، فكتب ابن مدبر إلى أحمد بن طولون رقعة، وليس عنده صورة الأمر فيما جرى في أمره، ولا أن له ذنبا، وضمن الرقعة أبياتا منها:

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٤٢