تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقالت: أزوجني أبي لهذا الرجل وأنا صبية ما بلغت مبالغ النساء، فلما عقد النكاح سافر سفرا طال مدة أيسنا منه معها، فخلا بي من النساء من لا خير فيه، وأنا مع أبي وأمي، وأفسدوني واستولوا على عقلي، وحملوني على أن ساعدتهم فيما كتب علي، مما لم يكن لي منه محيص، وصبوت كما تصبو النساء وحملت، فلما تبين والداي جميعا ذلك ورد عليهما ما يرد مثله من المصائب، فبينما هما يركضان في الحيرة في أمري إذ قدم هذا الرجل من سفره، فطالب بإدخالي عليه، فدافعه أبي وأمي بما يحتاج إلى إصلاحه لي، رجاء أن يزول ما في جوفي، فلم يدعا شيئا يعمل في طرحه حتى عملاه، فما نفع ذلك لما قضى الله، جل اسمه، بكونه.

وقربت ولادتي فوافانا هذا الرجل وقد طالت المدافعة له، فحلف بالطلاق أنه يأخذني بعد ثلاثة أيام، فلم يجد أبي وأمي بدا من إدخالي عليه فدفعت إليه، وأنا على حال قد علمها الله، جل اسمه، غما وقلقا، وأبي وأمي في أعظم مما أنا فيه، فلما أدخلت عليه، وأخليت معه، انصرفت أمي وسائر أهلي، خوفا من مشاهدة الفضيحة، فلما حصلت معه في الكلة

187

ضربني الطلق، وزاد الأمر علي، فوثبت من الكلة، أريد الخروج من البيت إلى أمي وليس عندي أنها هربت، فما بلغت عتبة باب البيت حتى طرحت الولد من بين رجلي إلى الأرض، وسقطت ولا عقل لي، فوثب هذا الرجل يتأمل، فرأى طفلا مطروحا يبكي، فصاح بأخته، فسمعته وأنا في كربي وغمي، يقول لها: يا أختي، اقضي كل حق لي عليك، بما تأتيه في أمر هذه الامرأة. وانصرف عن البيت، وتركني مع أخته، فقامت بي أحسن قيام، وتولت أمري ما لا يتولى مثله أمي؛ برفق وإشفاق، وانبساط وجه، وحسن خلق، ومزح ومداعبة، حتى كأن الولد منهم، وكل ذلك يزيدني خجلا واحتشاما، إلا أنه قد سكن قلبي بعض السكون.

وبلغ أبي وأمي خبري فلم يقربني أحد منهما حياء واحتشاما، وبت ليلتي، فلما كان من الغد دخل إلي بوجه منبسط طلق ضاحك، فجلس عند رأسي، وساءلني عن خبري، وقال لي: ألك حاجة؟ قلت ودموعي تجري: يبقيك الله. فبكى لبكائي، ومضى بنفسه إلى أبي وأمي، فحلف عليهما حتى جاءني بهما، وقال لهما: لا مهرب من قضاء الله، عز وجل، إني ليس في يدي ولا في أيديكما ولا في يدي أحد من عبيده، جل ذكره، منه غير الصبر والحمد له، تبارك وتعالى، على البأساء والضراء، والحمد لله الذي كان هذا من فيض [؟] الله جل اسمه، له الصبر عليه والستر عليكم، واحمدوا الله جل اسمه، فدعيا له وشكراه واستعبدهما بذلك.

فكان كل يوم يدخل إلي بكرة وبالعشي، يسألني عن حالي، ويسألني عن شيء أشتهيه ويستحلفني على ذلك، فأبوس يديه وأدعو له حتى إذا مضى لي أربعون يوما، وهي أيام النفاس، ودخلت الحمام وصلحت له، دخل إلي مستبشرا طيب النفس، فمازحني وجلس عندي، واستحضر أبي وأمي وأنفق نفقة كبيرة واسعة حسنة، حتى كانت مقام عرس ثان، فلما انقضى يومنا وبات عندي، وجرى بيني وبينه ما يجري بين الرجل وزوجته وأنا على غاية الاحتشام والحياء منه، وأصبح، وهب لي دنانير كثيرة، وقطع لي ثيابا حسانا، فما مضى إلا شهر حتى حملت فولدت غلاما فسر به غاية السرور، فكأني انبسطت قليلا إليه، ودعا أيضا أبي وأمي وحلف عليهما أن يلزماني ولا ينقطعا عني، وصاغ لي حليا حسنا، وما ترك شيئا من إكرامي وسروري حتى بلغه لي، وعاشرتني أخته ولأمي

188

أحسن عشرة، وفعلت معنا أجمل فعل، فكنا له ولها كالعبيد.

وما زلت معه على حال ما فوقها مزيد من الإحسان والمحبة، حتى مضت لي عشر سنين، وكبر ابني وحذق القرآن، وعلمه جميع الآداب، وأنجب، فعظم بذلك سروره وسروري، ثم اعتل علته هذه التي مات فيها، فلما أيس من نفسه كتب وصيته، وأحضر الشهود ليشهدوا عليه فيها فسمعتهم يقرءون في الوصية: والذي خلفه من الولد ولدان ذكران، وهما فلان وفلان، وزوجة، وهي فلانة ابنة فلان، يريدني، فلما سمعت ذلك لحق قلبي ما يلحق قلوب النساء من الغيرة، ثم فكرت في خيانتي وقبح فعلي وجميل فعله، فأمسكت، إلا أني لما خرج العدول من عنده، خرجت إليه من وراء مقطع كنت جالسة خلفه، فقبلت رأسه ويده، وقلت له: يا سيدي، لك علي من الإحسان والإنعام وجميل الفعل ما قد استعبدتني به ، حتى لو وقفت على أن لك ثلاث نسوة وعدة جوار لحملتهن لك على رأسي، فكان ذلك أقل واجبك علي، فكيف يكون لك ولد غير ولدي من امرأة غيري أو جارية فلا تعرفني حتى أتولى خدمتها بنفسي، وكان ذلك بعض ما تستحقه مني؟ فقال: كأنك أنكرت ما سمعتيه في وصيتي من ذكري ولدين ذكرين! فقلت: نعم. فحول وجهه عني إلى الحائط فقال لي: ويحك هذا وذاك، وتشهد ومات.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٤١