ما للزمان لقد حالت حوادثه
بيني وبين حبيب نازح دان
إن قلت جاء أجاب الطرف من كثب
ملكنني بين أبواب وحيطان
ودون عرب وعجم في مجالسهم
موكلين بنا ترك وسودان
إذا تنحنحت قالوا طار صاحبنا
كأنما لي في حبسي جناحان
لكن طيفك يأتيني برغمهم
يا حبذا طيف من أهوى ويهواني
طيف لبيضاء تنقاد القلوب لها
لو خاصمت قمرا جاءت ببرهان
لولا خيالك يا مولاة مالكها
وأنه كلما نومت يغشاني
إذن لما عشت من هم أعالجه
وأحرقت كبدي نيران أحزاني
كيف البقاء على سجن حبست به
كأنه حجر من بين كثبان
إذا مددت يدي مستلقيا بلغت
منه سماوته
184
شلت
185
يد الباني
وإن علا نفسي نمت سرائره
ثم استقلت بأحزان وأشجان
وإن تروحت منه للخروج فلا
روح سوى مخرج مأوى لشيطان
للجن فيه عزيف كل صاخبة
تنوح فرعون أو تبكي لهامان
تجول فيه بنات الأفعوان مع ال
عقارب [السود] من مثنى ووحدان
قال: فورد جواب أحمد بن محمد الواسطي عليه يقول: قد قرأت القصيدة عليه، وهو منشرح الصدر، فتدمع لبعضها وضحك لبعضها. فقلت: أيد الله الأمير، قد طال حبسه، وبلغ به غضب الأمير حالا رثى له عدوه منها، فإن رأى الأمير، أيده الله، أن يمن عليه بالرضا. فقال: ما غضبت عليه، ولو غضبت لجرى مجرى غيره ممن اصطفيت ماله وأجريت عليه المكروه، حتى خفي خبره واستتر أثره، وقد أطلقت له من يأنس به وهو مشغول بتعلم حساب النجوم وقول الشعر، وقد زال الآن عتبي عليه عن قلبي. فقلت له: الحمد لله، فما يمنع الأمير من التطول عليه بإطلاقه والرضا عنه؟ فقال: كلام ألقاه إلي وحدثني به عن أنوشروان، وهو أنه قال: الملك المتمكن من نفسه لا يغضب سريعا ولا يرضى سريعا؛ لأن ذلك من أخلاق النساء ومن قاربهن؛ فلذلك أطلت حبسه. فأمسكت عن إعادة قول عليه، فأنت يا أبا يوسف في حبس نفسك بما كنت غنيا عنه من هذا القول.
فلما وصل إليه الجواب من أبي عبد الله قال لمن حضره من إخوانه، أما ترى إلى فظاظة أبي عبد الله في خطابه لي، وأنا في مثل هذه الحال، وذمه إياي فيما كان يجب أن يمدحني به؟ ولكن يا أخي المحن تقلب أعيان الحسنات إلى المساوئ.
فكاتب أبا بكرة
186
القاضي وسأله كلام أحمد بن طولون في أمره، ومسألته إطلاقه، فركب إليه القاضي، فأذكره بحرمته عليه، وخدمته له، وطول صحبته له. واتفق له في تلك الساعة ورود خبر عليه يسره، فأمر بإطلاقه، وتخلية سبيله.
وكان وقت الحج فلما أطلقه [جاءه] مسلما عليه، فسأله الإذن له في الحج، وعرفه أنه اعتقد ذلك إذا من الله، عز وجل، عليه برضا الأمير، فأذن له في ذلك، وأطلق له الذهاب إلى منزله بسر من رأى، والاجتماع مع أهله وحرمه، وأطلق له جملة كبيرة من المال وخرج.
فلما حج ووصل إلى منزله كف لسانه بالعتاب، فلم يذكر أحمد بن طولون بكلمة تكره ولا بقبيح، فزاد بذلك عند الموفق، وتقدم به عنده، وكتب طيفور خليفة أحمد بن طولون إليه بذلك، وأنه يكثر الشكر بذلك ويطيل الثناء عليه، فشكر له أحمد بن طولون ذلك، وصار يكاتبه في مهماته وحوائجه، ولا يقطع مواصلته بصلاته.
قال مؤلف هذا الكتاب: حدث نسيم الخادم قال: كان أحمد بن طولون مولاي على غاية من الميل والمحبة لمعمر الجوهري، فلما مات معمر الجوهري حزن عليه أحمد بن طولون حزنا عظيما، حتى ظهر ذلك منه للناس كلهم، فلم يتعز به ولم يسل عنه؛ فلحزنه عليه كان يبكر كل يوم سحرا إلى قبره وأنا معه فيترحم عليه ويقرأ قليلا، ويعود إلى قصره مع الصبح، فكنا عند موافاتنا قبره نجد في كل يوم امرأة قد سبقتنا إلى قبر مقابل قبر معمر، تبكي وتنتحب بحرقة موجعة مؤلمة لقلب من يسمعها، فكانت تزيد في حزن أحمد بن طولون وتبكيه.
فلما كثر ذلك عليه منها قال لها يوما: يا امرأة، أتبيتين ها هنا؟ فقالت: لا أيها الأمير. فعلم أنها قد عرفته، فقالت: وكيف لي لو تهيأ لي المبيت حتى أبيت ولا أفارق هذا القبر وأدفن فيه مع صاحبه؟ ولكني أسهر ليلي لما أجد في قلبي، فإذا قرب الفجر خرجت وقد شغل الحزن قلبي عن الخوف من وحشة الطريق. فقال لها أحمد بن طولون: وما هذه الحال العظيمة التي استحق بها هذا الفعل منك؟ فقالت: أيها الأمير، إنها حال عظيمة عندي، لا يجوز لي أن أذكرها. فقال لها: لا بد أن تخبريني ذلك، أبنك هو؟ قالت: لا. قال: فأخوك؟ قالت: لا. قال: فزوجك؟ قالت: نعم. قال: أقسمت عليك لتخبرني بما استوجب به منك هذا الفعل. فقالت: أيها الأمير، إني أحتشم من ذكره وأرفع الأمير عن كشفه. قال لها: إلزامي لك ذكره قد أزال حشمتك وأقام عذرك.