تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فازداد به المستعين سرورا، وأمر في الوقت لأحمد بن طولون بألف دينار، وقال للخادم: امض أنت بها إليه سرا، وأقرئه مني السلام، وقل له عني: لولا خوفي من أن يعلم محله من قلبي فيحسد ويقتل لبلغته أفضل مراتب أمثاله، وإذا هو دخل إلي في المسلمين فأرنيه.

فأوصل إليه الخادم المال ، وعرفه الرسالة، فحمد الله، عز وجل، على ذلك.

فلما كان يوم السلام، ودخل مع الأولياء، غمز الخادم المستعين عليه حتى رآه، فأشار إليه المستعين بالسلام، ولم يزل يفعل ذلك كلما دخل إليه في المسلمين، ويوجه إليه بالصلة الوافرة في كل وقت، دفعة بعد دفعة، حتى حسنت حاله بذلك، ووهب له جارية اسمها مياس، فولدت له أبا الجيش في النصف من المحرم سنة خمسين ومائتين.

ولما كان من أمر المستعين ما كان من تنكر الأتراك عليه، واستقر الأمر بعد ذلك على أن يصير المعتز على الخلافة وينفى المستعين إلى واسط

12

مع رجل يختار له، يوثق بدينه وأمانته، وترضى به الأتراك، ويأمنه على نفسه، وقع اختيارهم على أحمد بن طولون، فسلم إليه ومضى به إلى واسط، وأحسن عشرة المستعين وشكر له ذلك الجميل في أمره، فأطلق له التنزه والصيد. وكره أحمد بن طولون أن يلحقه منه احتشام، فألزمه أحمد بن محمد الواسطي كاتبه، وكان يومئذ غلاما جريئا، حسن الشاهد، حاضر النادرة، فأنس به المستعين غاية الأنس، وشكر لأحمد بن طولون ما يأتيه في أمره، ولم يأل أحمد بن طولون حرصا في خدمة المستعين وتوفية حقه.

فلما تمت البيعة للمعتز وخلع المستعين أنفذ إليه أهله وولده، فأقام بواسط مدة، واجتمع غلمان المتوكل، وقالوا: نخاف من كيد يلحق المعتز من المستعين، فصاروا إلى قبيحة أمه، فعرفوها ذلك وخوفوها منه، وقوي الخوف في نفسها فاضطربت له، فعزمت على قتله، فحضر الأولياء وتشاوروا في ذلك فأشاروا به، فكتبت قبيحة أم المعتز إلى أحمد بن طولون: «إذا قرأت كتابي فجئني برأس المستعين وقد قلدتك واسط.» فلما وصل الكتاب إليه اغتم غما عظيما، وكتب إليها يقول: «والله لا يراني الله، عز وجل، أقتل خليفة له في رقبتي بيعة وأيمان مغلظة أبدا.»

فلما ورد كتابه بذلك زاد به في قلوب الأتراك محلا كبيرا، ووسموه بحسن التوقف وجميل المذهب، وأحسن أحمد بن طولون في ذلك وأجمل، رحمه الله. كما أمر الحجاج بن يوسف رجلا من التابعين بقتل رجل اتهم بما أراد قتله بسببه فامتنع وقال:

ولست بقاتل رجلا يصلي

على سلطان آخر من قريش

له سلطانه وعلي إثمي

معاذ الله من جهل وطيش

إذا طاوعته وعصيت ربي

فما فضلي هناك على قميش

وكان قميش هذا رجلا خليعا ماجنا ماردا.

ووجهوا إلى أحمد بن طولون لما امتنع من قتله بسعيد الحاجب، وكتبوا إليه ليسلم المستعين إليه، وينصرف عن واسط إلى سر من رأى، ففعل ذلك، وأحمد الناس كلهم فعل أحمد بن طولون، وشكره عليه الخاص والعام.

حدث أحمد بن محمد الواسطي وقال: وكنت مع المستعين بالله على الرسم، فرأينا غبرة خيل قد أقبلت، فأنفذ غلاما له يركض ليعرف له خبرها، فعاد وقال: هو سعيد الحاجب. فاصفر لونه ووجم،

13

فقال لي: يا أبا عبد الله، أنا أستودعك الله، هذا جزار بني هاشم قد جاءني، فحرت وجزعت، وعدنا جميعا.

ووافى سعيد في أثرنا، فأوصل إلى أحمد بن طولون الكتاب، فأحضر قاضي واسط والشهود، فأشهدهم على تسليمه إياه سليما، فتسلمه وأخرجه من وقته إلى الصحراء، وضرب له خيمة فأدخله إليها، فأقام سويعة وخرج، وألقى الخيمة عليه، وركب من وقته دابته، وسار راجعا.

فلما بعد أتينا الخيمة فرفعناها، وأحمد بن طولون معي، فإذا بجثة المستعين مطروحة على الأرض، وقد صرعه وأخذ رأسه ومضى، فأقبل أحمد بن طولون يبكي وينتحب عليه، كما تبكي الثكلى، وأنا معه كذلك؛ لما ورد على قلبه منه، ولم يزل قائما على رجليه حتى غسل وكفن وصلينا عليه وواريناه، ورحل إلى سر من رأى.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٣