تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال لي: ومما يدل على صحة ذلك أن الموفق لما لعن أحمد بن طولون أسنده إلى طولون ولم يسنده إلى يلبخ ، ولو كان ابن يلبخ لما زوجه يارجوخ ابنته؛ لأن يلبخا كان عندهم مغنيا وطولون معروف بالستر والصيانة.

فنشأ أحمد بن طولون نشوءا جميلا غير نشوء أولاد العجم، من بعد الهمة وحسن الدين والذهاب بنفسه عما كانت تسف إليه طبقته، وطلب الحديث وأحب الغزو،

5

وخرج إلى طرسوس مرات، ولقي شيوخ المحدثين، وسمع منهم، وكتب العلم وحصل له من ذلك قطعة كبيرة.

وألف بطرسوس جماعة من الزهاد، وأهل الدين والورع، فأدبوه بآدابهم، فحسنت طريقته وظهر فضله؛ فتمكن له في قلوب الأولياء ما ارتفع به عن طبقته، وبان فضله على وجوه الأتراك، وصار محله عندهم محل من يوثق به على الأموال والأسرار والفروج، ومثل هذا عند العجم محله عظيم في نفوسهم لو تصنع به متصنع فكيف من مبتدئ غير متصنع؟ فخطب إلى يارجوخ ابنته فزوجه، وكانت أم ابنه العباس [وابنته] فاطمة.

فلما كان في نفسه من محبة الخير ورغبته فيه، سأل الوزير

6

أن يكتب له برزقه إلى الثغر،

7

وعرفه رغبته في المقام به، فأجابه الوزير عبيد الله بن يحيى إلى ذلك، وكتب له به، وخرج فأقام بطرسوس مدة، وشق على أمه مفارقته لها فكاتبته بما أقلقه، فلما قفل الناس إلى سر من رأى

8

قفل معهم بسبب أمه، وكان جملة القافلين نحوا من خمسمائة رجل، والخليفة يومئذ المستعين بالله.

وكان قد اتفق أن المستعين بالله استحسن شيئا يعمل ببلاد الروم من بزيون

9

وكراسي حديد منقوشة بأحسن نقش يجري فيها الذهب، وأشياء يضن بها الملك أن تخرج إلى أرض العرب، فأنفذ خادما من خدمه يتكلم بالرومية إلى ملك الروم، برسالة جعلها سببا لما يريده، وأمر الخادم أن يتلطف في ابتياع ما تهيأ له مما قدمنا ذكره وقدر عليه، وخرج الخادم ووصل إلى ملك الروم وأدى الرسالة، وأنزل في دار فرشت له وبلغ في إكرامه كل مبلغ، وجعل يلتمس شراء كل ما يمكنه بضعف ثمنه المبيع منه، فاشترى ما حصل له منه وقر بغل لم يمكنه أكثر منه.

فأجاب ملك الروم المستعين عن رسالته، وحمل إليه هدايا حسانا، وخلص الخادم ذلك البغل المحمل ذلك المتاع بالحيلة، على محله من أمير المؤمنين في حمله ما حمل معه، وخرج حتى حصل بطرسوس

10

وخرج مع القافلين وفيهم أحمد بن طولون.

ومن رسم الغزاة أن يسيروا متفرقين مثل العقبان، فنظرت الأعراب شيئا من سوادهم

11

في بعض المواضع فأخذوه، ووقعت الصيحة، وجاء النذير إلى الطائفة التي فيها أحمد بن طولون .. فكان أول من انتدب، وحض على القتال والذهاب خلف الأعراب إلى حيث قصدوا، وسار يريدهم، فلما رآه الباقون اتبعوه، فكان أول من لحق بالأعراب، ووضع فيهم السيف ورمى بنفسه عليهم وحذفهم بالنشاب، وكان حسن الرمي لا يخطئ شيئا، فخلى الأعراب عن جميع ما أخذوه ونجوا بأنفسهم على خيولهم.

وكان فيما أخذه الأعراب البغل المحمل ذلك المتاع الذي لم يوصل إليه إلا بالحيلة، وكانت نفس الخادم قد كادت أن تخرج لذلك؛ خوفا على فوت ما أمله من جائزة أمير المؤمنين، ولما لحقه من التعب والمخاطرة قبل أن وصل إليه، ولما سلم سكن روعه ورجع إليه عقله بعد أن كاد يزول.

وعظم أحمد بن طولون في عينه وقلبه، وصار له كالعبد، وكبر في قلوب أهل القافلة، فلما وصلوا إلى العراق أحضر الخادم ذلك المتاع إلى المستعين، فاستحسنه وسر به كل السرور، فذكر له الخادم ما عاناه في أمره قبل الوصول إليه، وقال له: وأعظم ما جرى يا مولاي أنه لما حصل وسلم إلى طرسوس، وقفلت مع الناس، خرج علينا الأعراب فأخذوه، فلولا أن الله، جل اسمه، من علي بغلام من غلمان مولاي أمير المؤمنين يعرف بأحمد بن طولون؛ فإنه أول من انتدب وخرج إليهم، وحصله وجميع ما أخذوه، لقتلت نفسي أسفا على فواته.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٢