ووافق دخوله سر من رأى تقليد باكباك مصر، والتماسه من يخلفه عليها، فقيل له أحمد بن طولون؛ الثقة، الأمين، الحبر، الدين، الخير، فقلده خلافته، وضم إليه الجيش.
ورحل إلى مصر فدخلها يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين مقلدا للقصبة دون غيرها من الأعمال الخارجة عنها، مثل الإسكندرية وغيرها، ودخل معه أحمد بن محمد الواسطي، وكان خليطا به جدا، وأبو يوسف يعقوب بن إسحاق، كان الوزير قد قرنه به.
فحدثني شيخ من شيوخنا قال : جلست في بعض الدكاكين الشارعة
14
مع الناس، لننظر دخول أحمد بن طولون البلد وترتيبه، وكان معي في الدكان رجل مكفوف يعرف بأبي قبيل
15
صاحب الملاحم، فسأله رجل كان معنا عما يجده في كتبهم، فقال: هذا رجل نجد صفته كذا وكذا، ويتقلد البلد هو وولده قريبا من أربعين سنة، فما تم كلامه حتى أقبل أحمد بن طولون، فكانت صفته كما وصف في صورته وشمائله، لم يغادر منها شيئا، وكانت مدة الطولونية ثماني وثلاثين سنة.
ودخل أحمد بن طولون مصر، وكان على خراجها أحمد بن محمد بن مدبر، وكان من دهاة الناس، وشياطين الكتاب والعمال الأجلاد؛ فحسبك أنه ابتدع بمصر بدعا صارت سننا إلى اليوم لا تنقض. ولقد حرص أبو الحسن علي بن عيسى بن الجراح عند دخوله مصر أن ينقض شيئا منها فما تهيأ له، على صناعته ودهائه بين الوزراء الذي كان هو باركهم،
16
فمما ابتدعه بمصر: النطرون، وكان مباحا لجميع الناس بمصر، فصير لهم ديوانا مفردا، وعاملا جلدا يحظر على الناس أن يبيعوه أو يشتروه إلا من جهته. والمراعي، وهي الكلأ المباح المطلق التي أنبتها الله، عز وجل، لعباده ترعاها بهائمهم. والمصايد، وهي ما أطعم الله، جل اسمه، من صيد البحر.
فلما احتشم ابن مدبر من ذكر المصايد وشناعة القول فيها، أمر بأن يكتب في الديوان: خراج مضارب الأوتاد ومفارش الشباك وغير ذلك بمصر، وله بالشامات
17
أمثال هذا.
فحين دخل أحمد بن طولون أهدى إليه ابن مدبر هدايا حسنة، قيمتها عشرة آلاف دينار. وكان ابن مدبر خرج لتلقيه عند دخوله ومعه شقير الخادم
18
وكان صاحب البريد
19
يومئذ بمصر، وهو غلام قبيحة أم المعتز المعروف بأبي صحبة، فلما تلقياه وسلما عليه بش بهما، وأحسن مخاطبتهما.
ونظر بين يدي أحمد بن مدبر مائة غلام من مولدي الغور
20
قد انتخبهم وجعلهم عدة وجمالا، وكان لهم خلق حسن وطول أجسام وبأس يعرفون به شديد، وعليهم الخفاتين
21
والأقبية والمناطق الثقال العراض، وبأيديهم مقارع تامة غلاظ، على كل طرف من أطرافها فضة مقمعة بها، وكانوا يقفون في حافتي مجلس ابن مدبر إذا جلس، وإذا ركب كانوا بين يديه، فكانت له بهم هيبة عظيمة في صدور الناس إذا رأوهم.
فلما أهدى إلى أحمد بن طولون الهدية التي قدمنا ذكرها ردها ولم يقبلها، فقال ابن مدبر:
22
إن هذه لهمة عظيمة، ومن كانت هذه همته فغير مأمون على طرف من الأطراف، وكان في ابن مدبر دهاء عظيم ورياء كبير، فخافه
23
وكره مقامه معه في البلد، فاجتمع مع شقير صاحب البريد على أن يكتب فيه إلى أمير المؤمنين بما يقدران به إزالته.
فلما كان بعد أيام كتب أحمد بن طولون إلى ابن مدبر: «قد كنت، أعزك الله، أهديت لنا هدية وقع الاستغناء عنها، فلم نجز تغنم
24
مالك، كثره الله، فرددناها توفيرا عليك، وأحب أن تجعل العوض منها الغلمان الذين رأيتهم بين يديك؛ فأنا إليهم أحوج منك.» فقال ابن مدبر: هذه أخرى أعظم مما تقدم قد ظهرت من هذا الرجل، كيف آمنه إذا كان يرد الأعراض والأموال ويستهدي الرجال ويستأثر عليهم؟ ولم يجد ابن مدبر بدا من أن يبعثهم إليه، فتحولت هيبته إليه، ونقصت هيبته هو بمفارقتهم مجلسه، وزال جمالهم له بين يديه في ركوبه، وكتب بخبره إلى الحضرة. ونمى الخبر إلى أحمد بن طولون، فأسره في نفسه ولم يبده، فأقام أحمد بن طولون أيام المعتز، فلما مات وجلس المهتدي بالله كان في نفسه على باكباك ما بعثه على قتله إياه، ورد جميع ما كان له وفي يده إلى يارجوخ التركي. وكان بين يارجوخ وبين أحمد بن طولون أجمل مما كان بينه وبين صاحبه باكباك، لما قدمنا ذكره من تزويجه ابنته من زوجته التي كان المتوكل أزوجه إياها، وكانت من جواريه، وكان لها محل وجلالة خطر، فكان يارجوخ من أكبر عدد أحمد بن طولون.