تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم : «تهادوا تحابوا.» وقال أمير المؤمنين علي، عليه السلام: «الهدية عطفة القلوب.» وقد وجهت إليك بما جعلته هدية إليك ألفي دينار تصرفها في بعض مهماتك، ولن أقطع مواصلتك بحسب ما أقف عليه من خلوص طويتك، وصحة نيتك، فلا تخلني يا أخي، أعزك الله، من ذكر أحوالك، حسنها الله، وتكاتبني بجميع ما أحتاج إلى علمه، فإن الذي تأتيه من ذلك يغيب ويستتر عن الخلق كلهم، لما يعرفونك به من الانحراف عني، ولا تقطع ذكري بما جرى رسمك بذكره، بل فزد في ثلبي والطعن علي، فإنك تبلغ لي بذلك ما تحبه لي، وتسرني فيما تأتيه في ذلك إن شاء الله.

فلما وصل الكتاب إلى طيفور ركب به كما أمره، وأوصله إليه والمال، فدعا له وشكره، ووعد طيفورا بأنه يبلغ له في ذلك فوق ما يحبه، وصار من أخص أصحاب أحمد بن طولون على الأخبار، فكان يكاتبه بجميع ما يجري في دار الموفق ودار المعتمد وسائر البلد، مما يحتاج إلى علمه، واستتر أمره مدة طويلة عن أصحاب أخبار الموفق، ثم انكشف أمره للموفق، فأحضره وضربه بالسوط ورماه [في] المطبق، وأقام فيه أياما ومات، فانتفع به أحمد بن طولون مدة على الضرورة، ثم استراح منه دفعة واحدة بأهون سعي، وذلك الذي قصده فيه.

ومنه ما رواه أبو جعفر بن عبد كان أنه ورد عليه كتاب متملك الروم

129

يسأله الهدنة، فأجابه إلى ذلك وقال له: اكتب إلى طخشي بطرسوس أن متملك الروم سألنا الهدنة مدة كذا وكذا، وقد أجبناه إلى ذلك على علم منا أنه لم يدعه إلى ما سأل إشفاق من سفك الدماء، ولا تحوز لطلب السلامة، بل أظن، وهو كذلك، أنه قد خربت له قصور أو استرمت

130

أو لحقه من بعض أعدائه اضطراب اضطره إلى الهدنة هذه المدة، ومن الخسران المبين أن يكون بما التمس من ذلك أسعد منا، وإذا قرأت كتابي فتعاهد جميع الحصون التي بقربك، فرم منها ما استرم، واعمر منها ما خرب وجدد منها ما أخلق، وأنفق على ذلك من مالي الذي في أيدي وكلائي في ضياعي التي تقرب منك، وفرق في صعاليك أهل الثغر ممن تضر به هذه الهدنة ما يقيم أودهم ويكفيهم، وأوسع عليهم في ذلك، وطالعني بما يكون منك فيه فإني أراعيه إن شاء الله.

قال ابن عبد كان وكان مضطلعا بالكتابة: فوالله العظيم ما حضرني لهذا الكتاب أحسن من معاني ألفاظه كلها فلم أتجاوزها. وأنفذ الكتاب وعمل به.

ومن ذلك ما حدثت به نعت

131

أم ولده قالت: كان عندي له جوار أهدين إلى مولاي، ما رأيت أحسن منهن ولا أجمل، فأقمن عندي مدة لم يطلبهن، فشوقته إليهن بحسن الصفة لهن؛ فذكر لي شغل قلبه عن ذلك، ثم دخل إلي بعد ليال، فتبينت منه انشراح صدر وطيبة نفس، فذكرتهن له فقال لي: اعرضيهن علي واحدة واحدة ففعلت، فنظر إلى الأولة وقال: حسنة والله، ثم أحضر بعض الخدم ودفعها إليه، وقال له: امض بها إلى غلامي فلان، وقل له: بحياتي عليك، اطلب من هذه الولد [سرك الله وكثرك]، ثم لم يزل يفعل ذلك بواحدة واحدة حتى استوفى عدتهن مني.

فتبين الغيظ في فضحك، وقال: أراك مغيظة؟ فقلت: يا مولاي، آثرت مثل هؤلاء المتعذر مثلهن غلمانك على نفسك، فقال لي: يا ويحك، قد ارتفعت رغبتي في النكاح وما ناسبه، وإنما رغبتي الآن وغرضي ورأيي في حراسة دولتي وضبط نعمتي، ومن اضطر إلى من يضافره على أمره سلك هذا المسلك وآثر هذا الإيثار، وهؤلاء الغلمان فهم عدتي، وينتسبون إلي انتساب الأبناء إلى الآباء وشهواتهم مقصورة على الأكل والشرب والنكاح، فأنا أوثرهم بما يحبون وأرتفع أنا عنه كما أنهم يؤثرونني في أوقات التضايق على نفوسهم؛ فيبذلون في مهجهم دون مهجتي، فقلت: وفق الله الأمير. فقال لي: اعلمي أني أجد في فهم الرجل عني وإفهامه إياي من الالتذاذ أكثر مما يجده مجامع الحسان من لذة جماعها، وحسبك. فدعوت له.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٢٣