تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحدث نسيم الخادم قال: جرى ذكر أخلاق قوم بين يدي مولاي فقال: أما أنا فأرى أن أدفع بمالي عن رجالي، وبرجالي عن نفسي، وما في الأرض عندي أبغض إلي من رجل يزيد ماله على فعاله، وحالته على كفايته.

واستكتب كاتبا فقال له: إني جعلتك صاحب خبر على ألفاظي، فانظر كل ما يجري بيني وبين من يخاطبني، من كان من الناس من صغير وكبير، فاكتب خطابه وجوابي، وخطابي إياه وجوابه لي، واعرضه علي بالعشي، فكان يراعي هذا أشد مراعاة.

وحدث عنه ابن عبد كان قال: كنا ننشئ الكتب إلى السلطان وغيره من أصحاب أعماله، فيرد في الأجوبة غير ما صدرت به الكتب إليهم، فذكرت له ذلك لما كثر، فضحك فقال: هذه أجوبة عن أشياء أضمنها أنا الكتب، لا أطلعكم عليها.

ومن ذلك أن كتابه

132

لم يكونوا يختمون كتابا ولا يحررون نسخته حتى يعرضوه عليه، فإن استصابه

133

أمضاه وإلا غيره. وكان لما استكتب في خرجته إلى الشام أبا الضحاك محبوب بن رجاء ولم يكن بالكامل إلا أنه كان حاضر الذهن حلو الألفاظ، فعرض عليه يوما كتابا فلم يقل فيه شيئا، فأنفذه محبوب، فسأله عنه أحمد بن طولون بعد أيام فقال له: قد أنفذته. فحرد واغتاظ، وقال له: ويلك، حق الكتب أن تراجع فيها الأفكار، وقد كان ينبغي أن تؤخر إنفاذه وتراجعني فيه. فكانت كتبه بعد ذلك تؤخر لمراجعة النظر، والتصفح بعد الإنشاء، وجعل لها ديوانا.

فقال له يوما في كتاب قد كان عرضه عليه: أظن ذلك الكتاب قد شارف دمشق. فقال له محبوب: لا والله أيها الأمير، هو مؤخر في ديوان التصفح،

134

فقال له: ويل لك، أتشك في رأيي حتى تطلب مراجعة بعد مراجعة؟ وإنما قصدنا مراجعة مرة لا مرتين، كأنك تراني بعين من لا يوثق بخاطره ونظره فكيف مراجعة مرة؟ فحمل محبوب بن رجاء الغيظ والدالة عليه إلى أن قال له: أيها الأمير، ما أدري أي شيء أنت؟ إن قدمنا قلت: أخروا. فإن أخرنا قلت لنا: قدموا. فأمر به فبطح وضربه خمس مقارع، فكانت المقارع تأخذه وهو يقول: اقتلني وقل لي أي شيء أنت؟ فضحك منه وأطلقه.

وهذا كله فإنما كان منه دهاء ولم يكن في كتابه أحد أعرف بخدمته ولا أصبر عليها من أحمد بن محمد الواسطي. لقد عتب عليه يوما فضربه بيده ضربا لا يحتمله المملوك. ومن حسن أفعاله أنه كان لا يضرب أحدا من كتابه إلا هو بيده، كما كان يضرب من يخطئ من ولده بيده.

ولما ضرب الواسطي ضربا بلغ منه أمره بالانصراف عنه، فلما خرج من بين يديه طرح نفسه في دهليز من دهاليزه، فأقام فيه ثلاثة أيام ينام على حصير الدهليز ودواته تحت رأسه، صائما نهاره، فإذا صليت العشاء أفطر على خبز وملح لا غير ذلك، ولم يتهيأ لأحد من حاشيته [أن] يفعل في أمره ما يستحقه ويلزمهم له خوفا منه، وأخبار تنقل إلى أحمد بن طولون في كل ساعة.

ولما مضت له ثلاثة أيام أحضره وخلع عليه، وأجازه وعاتبه على ما كان منه، حتى أخرجه إلى ما جرى إليه، وأنه جعل ذلك تأديبا له كما يؤدب أحد ولده، فشكر ودعا وزادت حاله عنده.

وحدث الواسطي هذا قال: انصرفت ليلة إلى داري، وكان عندي من آنس به وأتفرج إليه، وأثق بمودته ممن يصحبني، قد خالطني

135

بنفسي؛ لأن الإنسان الكامل يتفرج إلى صاحبه بما لا يتفرج به إلى أخيه ولا ولده ولا خاصته وإن كانت حظية عنده.

وكنت قد ألزمته المبيت عندي، وكان انصرفي وقد مضى هزيع من الليل، فدخلت وأنا مقطب مشغول القلب، فتأمل ذلك مني، وقال لي: أطلت عند الأمير الليلة جدا، وأراك قد جئت وعلى قلبك هم، فما الخبر؟ فلم يكن بي فضل لجوابه، وبقيت بثيابي وخفي جالسا، فقال لي: استخر الله يا سيدي، وادخل إلى الحرم، واخلع ثيابك، ونم تهدأ أعضاؤك بما تعطيه نفسك من الراحة . فقلت له: دعني من هذا فقد حيرني أمر هذا الرجل الذي أخدمه وأدهشني، وما أشبه موارد أموره ومصادرها إلا بالآخرة، فلي والله في الفكر فيها ما يشغلني عن الراحة والمطعم والمشرب التي لا بد منها.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٢٤