تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان أحمد بن طولون مجدا في بناء الحصن على الجزيرة، وقد ألزم قواده وثقاته أمره وفرقه قطعا، وألزم كلا منهم قطعة يكد نفسه بالفراغ منها، ويتعاهدهم هو بنفسه في كل يوم يشرف عليهم، ولا يعلم أن الله، عز وجل، قد كفاه وأغناه ما يعانيه، وما يشك أحد أن كل طوبة بنيت فيه تقوم على أحمد بن طولون بدرهم صحيح.

ولما تتابعت الأخبار بموت موسى بن بغا كف عن البناء وتصدق بمال كثير، لما وهبه الله، جل اسمه، له من صيانته عما تقبح فيه عنه الأحدوثة، وما رأى الناس شيئا كان أعجب من ذلك الجد العظيم في البناء، ومباكرة الصناع في السحر، حين يخرجون من منازلهم في كل يوم، حتى انقطع ذلك فلم ير أحد من الصناع أحدا يطلبه، فكان كأنه نار صب عليه ماء فخمد من وقته،

98

ووهب للصناع كل ما كان سلفا عليهم.

وقبض أحمد بن طولون من وقته على أحمد

99

المدائني، صاحب موسى بن بغا، وكان بمصر يتقلد ضياع صاحبه بها التي أقطعه السلطان إياها، وكان رجلا ترفا غذي نعمة، وكان مبدنا

100

فمشى راجلا إليه، كما مشى شقير صاحب البريد، وكان يوم شديد الحر وكان أحمد بن طولون يحقد عليه خلافا كان له كبيرا فيما كان يحاوله، ولأنه كان صاحب موسى بن بغا، وكان لثقته بصاحبه وعظم منزلته، يبسط لسانه في أحمد بن طولون بأشياء تبلغه عنه فيغيظه عليه ويحقده له، فلما أحضر أحضر له السياط والعقابين فاستجاب إلى ما طالبه به من المال، وبادر بكتب خطه به خوفا من مكروه يلحقه، إلا أنه لحقه من التعتعة والمشي ما كان أغلظ عليه من الضرب أو مثله، فلما أخذ خطه بالمال رده إلى داره فمات في تلك الجمعة، فاحتاز أحمد بن طولون الضياع بما كان كتب به خطه، وقبض على جميع نعمته، وقبض على أندونة كاتبه، فأخذ منه خمسون ألف دينار.

ولما مات موسى بن بغا كتب الموفق إلى المتعمد يقول: إن الثغور الشامية ضائعة، وإنها تحتاج إلى من يقيم فيها ويغزو بأهلها، وإن أحمد بن طولون مهمل لأمرها وإنما يبعث إليها من لا يستقل بها، فاستقر الأمر على أن ينفذ إليها محمد بن هارون التغلبي، وكان يتولى الموصل فكتب إليه في الحضور لينفذ إلى الثغور، فركب في دجلة لعلة نالته منعته عن ركوب الظهر،

101

وهاجت ريح شديدة فألقته إلى موضع من الشط فيه قوم من أصحاب مساور الشاري

102

فقتلوه، وأخذوا كل ما كان معه، وبلغ ذلك الموفق فبقي متحيرا في أمر أحمد بن طولون، وما يأتيه به الإقبال، ووقع اختياره على إنفاذ محمد بن علي بن يحيى

103

الأرمني إليها، فأنفذه متقلدا لها ولأنطاكية، وحاول سيما الطويل دخول أنطاكية، فمنعه محمد بن علي بن يحيى منها ومن الثغر، فكتب إلى أهل طرسوس فألبهم ووثبهم عليه، وخوفهم منه فقبضوا يده، ووقعت بينه وبينهم حال غليظة، وقتل في داره ودفن فيها.

وبلغ ذلك الموفق؛ فاشتد غيظه أيضا وحنقه وتعجبه، وقلد الثغور أرخوز بن يولغ بن طرخان التركي، وأمره أن يقبض على سيما الطويل، فلما وصل إلى الثغور تشاغل بالأكل والشرب، وأخذ كل ما لاح له، واستولى على كل ما كان للمرتبين بلؤلؤة،

104

مما كان يحمل إليهم من الميرة؛ فضجوا من تأخر ذلك عنهم، وكتبوا إلى أهل طرسوس يعرفونهم أنهم إن لم ينفذوا إليهم بما يحتاجون إليه على رسمهم، سلموا القلعة إلى الروم، فأعظم أهل طرسوس ذلك وخافوه، وجمعوا لهم من البلد خمسة عشر ألف دينار، وعملوا على حملها إليهم، فقال لهم أرخوز: أنا أحمل إليهم المال من قبلي لنصلح بينهم. فأجابوه إلى ذلك فكتب إليهم واعتذر من تأخير ما أخره، فلأنه أميرهم وصاحب الثغور قبلوا عذره، ورجوا استصلاحه، ولما سلم المال شرهت نفسه إليه، وقال: متى يجتمع لي مثل هذا؟ فاستولى عليه وعرفهم أنه قد أنفذه، فلما تأخر عن القوم المال انصرفوا عن لؤلؤة وسلموها، فاضطرب أهل الثغور بأسرهم من ذلك غاية الاضطراب وضجوا في الطرقات.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ١٧