تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

92

فآثرت الإبقاء وإن لم يؤثره، واستعملت الأناة إذ لم تستعمل معي، ورأيت الاحتمال والكظم أشبه بذوي المعرفة والفهم، وأدنى إلى الظفر والنصر، فصبرت نفسي على أحر من الجمر، وأمر من الصبر، وما لا يتسع له الصدر. والأمير، أيده الله، أولى من أعانني على ما أوثره من لزوم عهده، وأتوخاه من تأكيد عقده، بحسن العشرة والإنصاف ، وكشف الأذى والمضرة، ولا يضطرني إلى ما يعلم الله، عز وجل، كرهي له، وإلى أن أجعل ما قد أعددته لحياطة الدولة من الجيوش المتكاثفة، والعساكر المتضاعفة، التي قد ضرست رجالها من الحروب، وجرت عليهم محن الخطوب، مصروفا إلى نقضها، فعندنا وفي حيزنا من يرى أنه أحق بهذا الأمر وأولى من الأمير.

ولو أمنوني على أنفسهم فضلا عن أن يرجعوا مني إلى ميل لهم أو قيام بنصرتهم، لاشتدت شوكتهم، ولصعب على السلطان معاركتهم، والأمير يعلم أن بإزائه منهم واحدا قد أبر عليه، وفض كل جيش أنهض إليه، على أنه لا ناصر له إلا لفيف البصرة

93

وأوباش عامتها، فكيف بمن يجد ركنا منيعا وناصرا مطيعا؟ وما مثل الأمير في أصالة رأيه قصد لمائة ألف عنان عدة له فجعلها عدة عليه

94

بغير ما سبب أوجب ذلك، فإن يكن من الأمير إعتاب أو رجوع إلى ما هو أشبه به

95

وأولى، وإلا رجوت من الله، عز وجل، كفاية أمره، وحسم مادة شره، وإجراءنا في الحياطة على أجمل عاداته عندنا، والسلام.

فلما وصل الكتاب إلى الموفق أقلقه، وبلغ منه مبلغا عظيما، وأغاظه غيظا شديدا، فأحضر موسى بن بغا، وكان موسى هذا عول الدولة وأشد أهلها بأسا وإقداما، فتقدم إليه في صرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها ماجورا فامتثل ذلك، وكتب لماجور كتاب التقليد وأنفذه إليه، فلما وصل إليه الكتاب توقف عن إيصاله إلى أحمد بن طولون؛ لعجزه عن مناهضته.

وخرج موسى بن بغا عن الحضرة مقدرا أنه يدوس عمل المفوض الذي فيه نقض الشرط؛ لما قويت به يد الموفق باستيلائه على الأمر وطاعة الجيوش بأسرها له، فلم يكن له مخالف غير أحمد بن طولون، وقصد بمشارفته الأعمال حمل الأموال منها، وكتب إلى ماجور وإلى أحمد بن طولون، لما علم توقف ماجور عنه في حمل مال أعمالها، وعزم على أن يقصد مصر، لما علمه من قصور حال ماجور عنها، ليتسلمها ويستخلف ماجورا عليها، ويعود إلى الحضرة. وخرج حتى بلغ الرقة، واتصل ذلك بأحمد بن طولون فأقلقه وغمه وبلغ منه، لا لأنه يقصر عن موسى، لكن لتحمله هتك الدولة، وأن يأتي ما يكون سبيله فيه سبيل من قاوم السلطان وكسر جيشه، فعمل على محاربة موسى، وتأمل البلد فعلم أنه لا يفتح إلا من جهة نيله، فأراد لكبر همته و[كثرة] فكره في العواقب أن يبني حصنا

96

على الجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة؛ ليكون معقلا لحرمه لكثرتهم كانوا ولذخائره، ويستعمل بعد ذلك لحرب من يأتيه. وقد زال فكره فيما سواه مما يشغل قلبه، وأمر ببناء الحصن على الجزيرة، واتخذ مائة مركب عربية كبارا ومائة مركب حربية سوى ما ينضاف إليها من العلابيات والحمائم والعشاريات والسناديل وقوارب الخدمة، وعمل على سد وجه البحر الكبير و[أن] يمنع ما يجيء إليه من مراكب طرسوس وغيرها بنقض مراكبه، ويكون ما فيها يذب عن هذه الجزيرة، وعمل على أن ينفذ إلى الصعيد وأسفل الأرض

97

فيمنع من حمل الغلات إلى البلد، ليمنع من يأتي من البر بالميرة.

فأقام موسى بن بغا بالرقة عشرة أشهر، فاضطرب عليه أمر الأتراك، وطالبوا بأرزاقهم مطالبة عظيمة، استتر منها كاتبه عبيد الله بن سليمان؛ لتعذر المال عليه، وخوفه على نفسه منهم، فلما تبين موسى بن بغا عظيم ما جرى ويجري دعته الضرورة إلى الرجوع إلى الحضرة، فرجع وأقام بها شهرين واعتل ومات في صفر سنة أربع وستين ومائتين. ومات عبيد الله بن خاقان في هذه السنة.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ١٦