وبلغ المعتمد ذلك فأنكره، فدعت الضرورة إلى أن كتب إلى أحمد بن طولون في تدبير أمر الثغور وضبطها كما يرى، فلم يكن للموفق بعد ذلك حيلة في منعه منها، وكتب أحمد بن طولون إلى أخيه موسى وكان مقيما بطرسوس منذ وقعت بينهما تلك الوحشة بتقليده إياه لها فأبى ذلك، لما كان في نفسه منه، فكتب إلى إبراهيم بن عبد الوهاب وكان أيضا مقيما بها فامتنع تصاونا، فأنفذ إليها طخشي بن بلبرده
105
ووصاه بحسن العشرة لهم، وجميل السيرة فيهم، واحتمال هفواتهم ففعل، وحسنت سيرته بطرسوس، فأقام بها إلى أن مات، فاغتم عليه أهل طرسوس وسائر الثغور.
ومن إقبال أحمد بن طولون أيضا موت ماجور، وكان أحد من يعرب
106
عليه، ويسعى في أذيته فلا تمكنه، فلما بلغه موته حمد الله، عز وجل، على ذلك، واستخلف ابنه العباس على مصر وخرج من وقته، وأيد ابنه بكاتبه أحمد بن محمد الواسطي، ووصى العباس بالاقتداء برأيه، والامتثال لأمره، وألا يجاوز شيئا يرسمه، أو يشير به، وسار في شوال من سنة أربع وستين ومائتين، وقد خلا قلبه من عبيد الله بن خاقان وموسى بن بغا وماجور أعدائه، الذين كانوا يعملون الحيل في أمره وطلب هلاكه. وجد في السير واستكتب أبا الضحاك محبوب بن رجاء، وقدم كتابه إلى ابن ماجور يعزيه بأبيه، وكان صبيا إلا أن أصحاب أبيه قد أقاموه مقام أبيه في الرياسة، وتولى الأمر وتدبيره أحمد بن دعباش
107
التركي، وجه أصحاب ماجور والمقدم فيهم، وكان رجلا شهما جلدا عاقلا، سمحا بالمال، سخيا على الطعام، حسن الخلق، حازم التدبير.
ويذكر أحمد بن طولون في كتابه إليه أن أمير المؤمنين قد قلده الشام كله، مضافا إلى الثغور الشامية، وأنه في
108
أثر كتابه، ويقول فيه: وينبغي أن تتقدم فيما نحتاج إليه من الميرة والعلف للعساكر وما تحتاج إليه. فأجابه ابن ماجور أحسن جواب، فلما قرب من الرملة تلقاه خليفة أبيه كان بها، وهو محمد بن رافع بالميرة والعلف، وكان قد أقام له الدعوة، لما بلغه خبر رحيله إلى الشام، فلما وقعت عينه عليه ترجل له، وتقدم إليه فباس يده، فلقيه أحمد بن طولون بجميل، وبش به وساءله عن حاله، فقال له: سلامة، ما أبقي لنا الأمير، أيده الله، فعزاه بصاحبه وأظهر له غما به، وشكر ذلك منه، فأقره أحمد بن طولون على عمله ولم يصرفه، وشخص إلى دمشق فتلقاه علي بن ماجور وأحمد بن دعباش
109
وجميع قواد ماجور وأصحابه، فوفوه حق الرياسة، وقد أعدوا له الميرة والعلف وكل ما يحتاج إليه بها.
110
واستخلف على دمشق أحمد بن دعباش وأقره عليها.
وكان أحمد بن وصيف مقيما بدمشق على سبيل النفي، نفاه إليها المهتدي، وهو وصيف الكبير التركي الذي يقول فيه الشاعر وفي بغا أبي موسى الذي مضى لنا ذكره فيما تقدم:
خليفة في قفص
بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له
كما تقول الببغا
والخليفة الذي قيل هذا فيه هو المستعين بالله؛ لأنه كان يؤثرهما جدا ويقدمهما ويفضلهما ويقول برأيهما.
فلما دخل أحمد بن طولون دمشق انضم إليه ابن وصيف هو وجماعة قواد ماجور، ولما صار أحمد بن طولون إلى حمص تلقاه عيسى الكرخي وكان يتقلدها، وترجل له، وعمل على أن يقره أيضا على عمله، فضج أهل حمص منه، وشكوا سوء سيرته فيهم، فصرفه عنهم وولاها يمن التركي.
وكاتب سيما الطويل، وكان بأنطاكية على جهة التغلب وعصيان السلطان، يدعوه إلى الطاعة للسلطان والسلم، ويقول في كتابه إليه: لست أسومك شيئا غير إقامتك الدعوة، وأنصرف عنك، ويكون البلد لك، تدبره كما ترى، فامتنع سيما من ذلك، ولج فيه لأسباب المنية، وكان قد تحصن بأنطاكية؛ لأن حصنها ما فتح عنوة قط، فسار إليه أحمد بن طولون وعاوده المكاتبة، وراجعه القول الأول ولطف به، وراسله برسل معهم عقل ورأي وتلطف، فأقام على رأيه، وهذا الفعل منه على ما كان بينه وبين أحمد بن طولون من المحبة والمصادقة والموافقة، فلم يثنه ذلك ولا راعاه، فركب إليه أحمد بن طولون ليخاطبه بنفسه ووجه إليه: قد جئتك لتسمع خطابي مشافهة. فأشرف عليه سيما من برج من أبراج الحصن فجرت بينهما مخاطبات