وكتب إليه [المعتمد] سرا أن الموفق إنما أنفذ نحريرا الخادم إليك عينا عليك ، ومستقصيا على أخبارك، وأراه أنه قد كاتب بعض أصحابك فاحترس منه، واحمل المال إلينا معه، لئلا تقوى يد الموفق به، وعجل إنفاذه من حضرتك.
ولما وافى نحرير أنزله أحمد بن طولون في دار معه في الميدان، ومنعه من الركوب إلى موضع من المواضع، ولم يمكنه الخروج من الدار التي أنزله فيها، إلى أن أخرجه من البلد، وتلطف في الكتب التي كانت معه فأخذها، وحمل معه ألف ألف ومائتي ألف دينار،
86
وحمل جميع ما جرى الرسم بحمله، وخرج بنفسه، وأخرج معه العدول حتى شيعه إلى العريش، ووجه إلى صاحب ماجور بالعريش فأحضره وسلمه والمال إليه، وأشهد عليه بذلك العدول، وعاد إلى مصر ينظر في الكتب، فإذا هي إلى جماعة من قواده، يضريهم عليه، ويستميل قلوبهم إليه، لما كان في نفسه عليه من قوة موالاته للمعتمد، وصحة طاعته له.
وكانت قد قويت شوكة الموفق بمن ضمه إليه المعتمد من الجيوش والعدة لمناوأة العلوي البصري،
87
فممن كان كتابه إليه جوابا عن كتابه كان إليه بدر الحفيفي، وهو صاحب القيسارية الوفائية التي تعرف بقيسارية بدر، وإليه كانت ضياع أبي أحمد بن المتوكل والطراز والخيم وصناعتهما، وكان من وجوه غلمانه وكبارهم فضربه بالسوط حتى مات. ومنهم أحمد بن عيسى الصغدي، وكان رجلا من أجلاء أصحابه، فضربه أيضا بالسوط، وحلق رأسه ولحيته وطاف به البلد، وحبسه في المطبق وكان إحسانه إليه وعليه فما شكر ذلك وكفره.
ولما وصل المال كتب أبو أحمد الموفق إلى أحمد بن طولون كتابا يستصغر فيه المال، ويقول: إن الحساب يوجب أضعافه. وبسط لسانه فيه، والتمس من أصحابه من يخرج متقلدا عمله فأعوزه ذلك، لما كنا قد ذكرناه من ملاطفة أحمد بن طولون لوجوه أهل الدولة الذين يندب أحدهم لمثله، وكتب بذلك إلى أحمد بن طولون أصحاب أخباره، فلما قرأ أحمد بن طولون كتاب الموفق قال: وأي حساب بيني وبينه أو حال توجب مكاتبتي بمثل هذا وغيره؟ وأجابه جوابا نسخته:
88
بسم الله الرحمن الرحيم، وصل كتاب الأمير، أيده الله، وفهمته، وكان، أسعده الله، حقيقا بحسن التخير له في اختياره مثلي، وتصييره إياي عمدته التي يعتمد عليها، وسيفه الذي يصول به، وسنانه الذي يتقي الأعداء بحده؛ لأني دأبت في ذلك، وجعلته وكدي، فاحتملت الكلف العظام، والمؤن الثقال، باجتلاب كل موصوف بشجاعة، واستدعاء كل منعوت بغناء وكفاية، بالتوسعة عليهم، وتواصل الصلات والمعاون لهم؛ صيانة لهذه الدولة، وذبا عنها، وحسما لأطماع الشانئين لها، والمنحرفين عنها. وكان من هذه سبيله في الموالاة، ومحله في المناصحة، حريا أن يعرف له حقه، ويوفر من الإعظام قدره،
89
ومن كل حال جليلة حظه ومنزلته، فعوملت بضد ذلك من المطالبة بحمل المال مرة، والجفاء في المخاطبة أخرى، بغير حال توجب ذلك، ثم أكلف على الطاعة جعلا، وألزم للمناصحة ثمنا، وعهدي بمن استدعى ما استدعاه الأمير من طاعته يستدعي ذلك بالبذل والإعطاء والإرغاب
90
والإرضاء والإكرام، لا أن يكلف ويحمل من أطاعه مئونة وثقلا. على أني لا أعرف السبب الذي ينتج الوحشة، ويوقعها بيني وبين الأمير، أيده الله، ولا ثم معاملة توقع مشاجرة، أو تحدث منافرة؛ لأن العمل الذي أنا بسبيله لغيره، والمكاتبة في أموره إلى سواه [وتقليدي ليس من قبله ولا ولايته]
91
فإنه والأمير جعفر المفوض، أيدهما الله، قد اقتسما الأعمال، وصار لكل واحد منهما قسم قد انفرد به دون صاحبه، وأخذت عليه البيعة فيه، أن من نقض عهده أو خفر ذمته ولم يف لصاحبه بما أكد على نفسه، فالأمة بريئة من بيعته، وفي حل وسعة من خلعه، والذي عاملني به الأمير من محاولة صرفي مرة، وإسقاط رسمي أخرى، وما يأتيه ويسومنيه، ناقض لشرطه، مفسد لعهده، وقد التمس أوليائي، وأكثروا علي الطلب، في إسقاط اسمه، وإزالة رسمه،