تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولبرقة حصن منيع، فترك الغطريف يزبك على أحد أبوابه، وترك لؤلؤا على باب آخر، واستعملوا الرفق كما أمروا فأمنوا بذلك، وأطمعهم

70

اللين، ففتحوا الباب الذي عليه الغطريف ليلا وأوقعوا بعسكره، فلما وقعت الصيحة تسرع الغطريف وقائد معه يعرف بدعباش وابن لفروخ يعرف بإسرائيل، فقتلوا جميعا في المعركة، وأصبح عسكر أبي الأسود بلا رئيس، فانضم أهله إلى عسكر لؤلؤ، فكان تسرع الغطريف تسرع باسل لزمه فرض وطمع في الظفر وعجل، ولو تثبت وكان في أجله تأخير لم يقتل. كما روي عن هشام بن عبد الملك أنه قال لأخيه مسلمة: أذهلك ذعر قط لحرب أو عدو؟ فقال: ما سلمت في ذلك من ذعر بيته على حيلة تكون معها السلامة، وما غشيني قط فيهما ذعر سلبني رأيي، فقال له هشام: هذه المقالة.

وروي أن عمر بن الخطاب أمر الأحنف بن قيس على جيش وجه به نحو خراسان، فلما قربوا منهم فرقوا جيشهم ثلاث فرق، وأقبلوا تدلهم طبولهم على السبيل، ففزع الناس، فأول من ركب الأحنف فخرج وهو يقول:

إن على كل رئيس حقا

أن يخضب الصعدة أو تندقا

وحمل على صاحب الطبل فقتله، فلما فقد أصحابه ضرب الطبل ولوا منهزمين، وفعل في الفريقين كفعله في الأول فتكامل ركوب الناس، وقد فرغ لهم الأحنف مما أرادوا فتتبعوهم، فكانوا بين قتلى وأسرى.

وأراد الغطريف أن يصنع هكذا فخانه المقدار، ولكل ميتة سبب، فقال أصحاب الغطريف: ما ننتظر؟ إن لم نناهضهم وإلا عملوا كل ليلة مثل هذا.

فكتب لؤلؤ إلى مولاه بجملة الخبر وما يعمل وما فعلوه، فكتب إليه يأمرهم بقتالهم ويقول: قد أحسنتم في توقفكم، وأنتم الآن تنصرون بمشيئة الله وعونه، فباكرهم لؤلؤ طالبا لثأر صاحبه كما قال الشاعر:

إذا ما وترنا

71

لم ننم عن تراتنا

ولم نك أوغالا نقيم البواكيا

72

ولكننا نزجي الجياد شوازبا

73

فنرمي بها نحو الترات المراميا

وعبأ عسكره ونصب منجنيقاته، وزحف إلى الحصن، فلما جد بهم القتال وأخذتهم الحجارة والنشاب، صاح بعضهم وطلب الأمان، وفتحوا له الباب، ودخلوا عليهم، وقبضوا على جماعة من رؤسائهم فضربهم بالسوط، وقطع أيدي جماعة منهم، وصلب منهم طائفة، وكتب إلى مولاه بالفتح.

ووصل شعبة إلى لؤلؤ بعد الفتح، فاستخلفه لؤلؤ على البلد، ودخل إلى الفسطاط، وحمل معه جماعة من الأسرى ليرى مولاه فيهم رأيه، فلما وصل إلى الجيزة بعث إليه مولاه بالخلع وبطوقين حسنين ثقيلين، فلبس الخلع والطوقين وحمل الأسرى بين يديه، وطاف بهم البلد، فسكنت رهبة أحمد بن طولون في صدور الناس حتى كان يفزع الصبيان [و]الأطفال.

ومن إقباله أن المعتمد لما أنفذ أبا أيوب على الخراج، وكتب إلى أحمد بن طولون في استحثاثه على حمل الأموال، وإدرار الحمل إليه، أجاب المعتمد يقول: إنه لا يستتر ما أحمله من الأموال عن الأولياء، ولا يخفى عن الموالي والمطالبين به، وفيه تأخير كبير من أرزاقهم، ولا يتهيأ أيضا إدرار الحمل والمتابعة به والخراج إلى غيرهم، فأنفذ المعتمد نفيسا الخادم إليه بتقليده الخراج مع المعونة بمصر والثغور الشامية، ووجه مع نفيس بصالح بن أحمد [بن حنبل]

74

وكان على قضاء الثغور، وبمحمد بن محمد الجذوعي

75

وكان على قضاء واسط، على أن يحمل ما جرى الرسم بحمله من المال والطراز

76

وغير ذلك.

فأخرج أحمد بن طولون شيوخ مصر ووجوهها إلى العراق يشكرون سيرته فيهم، وضبطه لبلدهم، وأنفذ معهم أصحاب أخبار من حيث لا يعلمون بهم، يحصون عليهم ما يكون من واحد واحد، وينهونه إليه عند عودتهم، فعادوا ولم يعرف سيئ منهم، فشكر لهم ذلك وأحسن برهم، وزادت محبته لهم.

وأقر أحمد بن طولون أبا أيوب على الخراج من قبله، وجعل عبد الله بن دشومة أمينا عليه، وجعل نعيما المعروف بأبي الذؤيب عينا عليهما، وقلد الأملاك لسليمان بن ثابت المعروف بأبي ريشة، وكان عبد الله بن دشومة منهم واسع الحيلة، بخيل الكف، لم يكن يعيبه غير بخله وزهده في شكر الشاكرين، ويرى بجهله وما حرمه الله عز وجل من اصطناع الجميل، أن الثناء حيلة من حيل القاصد على المقصود، ولا يهش إلى شيء من أعمال البر فمقته الناس على ذلك، وكثر به الدعاء عليه، وكان فيه مع هذا الشر سعاية.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ١٢