تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان أحمد بن طولون رقيبا على نفسه يتصدق في أثر الإساءة، إذا جرت منه إلى إنسان، بالصدقات الجزيلة، ويتضرع إلى الله جل اسمه في تمحيص ما جناه، فكان بذلك يوفى ويكفى وينصر.

77

ولما ورد عليه كتاب المعتمد بما استدعاه من رد الخراج بمصر إليه، وزاده المعتمد مع ما طلب خراج الثغور الشامية، رغب بنفسه عن أدناس المعاون ومرافقها، فرفضها وأمر بتركها، وكتب بإسقاطها في سائر الأعمال، ومنع المتقبلين

78

من الفسخ على المزارعين، وحظر الارتفاق

79

على العمال.

وكان قبل إسقاط المرافق بمصر قد شاور عبد الله بن دشومة في ذلك، فقال له: إن أمنني الأمير تكلمت بما عندي. فقال له: قد أمنك الله، عز وجل، مني فقل. فقال: أيها الأمير إن الدنيا والآخر ضرتان، فالحازم من لم يخلط إحداهما مع الأخرى، والمفرط من خلط بينهما؛ فيتلف أعماله ويبطل سعيه. وأفعال الأمير، أيده الله، أفعال الخيرة، وتوكله توكل الزهاد، وليس مثله ركب خطة لم يحكمها، ولو كنا نثق بالنصر دائما طول العمر لما كان شيء آثر عندنا من التضييق على أنفسنا في العاجل بعمارة الآجل، ولكن الإنسان قصير العمر، كثير المصائب، مدفوع إلى الآفات

80

فترك الإنسان ما قد أمكنه وحصل في يده تضييع. ولعل الذي حماه نفسه يكون سعادة لمن يأتي بعده، فيفوز ذلك بما قد حرمه هو.

ويجتمع للأمير، أيده الله، مما قد عزم على إسقاطه من المرافق في السنة بمصر دون غيرها مائة ألف دينار، وإن فسخ ضياع الأمراء والمتقبلين في هذه السنة؛ لأنها سنة ظمأ توجب الفسخ، وألزمت القصبة

81

الاثنين زاد مال البلد وتوفر توفرا عظيما ينضاف إلى مال المرافق، فضبط به الأمير، أيده الله، أمر دنياه، وهذه طريقة خدمة الدنيا وإحكام أمور الرياسة والسياسة فيها، وكل ما عدل إليه الأمير، أيده الله، من غير هذا فهو مفسد لدنياه، وهذا رأيي، والأمير، أيده الله، أعلى عينا وما يراه.

82

فقال له: ننظر في هذا إن شاء الله. وشغل قلبه كلامه، فبات من تلك الليلة بعد أن مضى أكثر الليل يفكر في كلام ابن دشومة، فرأى في منامه رجلا من إخوانه الزهاد بطرسوس وهو يقول له: ليس ما أشار به عليك من استشرته في أمر الارتفاق والفسخ برأي تحمد عاقبته فلا تقبله، ومن ترك شيئا لله، عز وجل، عوضه الله عنه، فأمض ما كنت عزمت عليه.

ولما أصبح ابن طولون أنفذ الكتب إلى الأعمال بذلك، وتقدم به في سائر الدواوين وأمضاه ودعا بابن دشومة فعرفه ذلك فقال له: قد أشار عليك رجلان؛ أحدهما في اليقظة، والآخر ميت في النوم، وأنت للحي [أوجد] وبضمانه أوثق، فقال: دعنا من هذا فلست أقبل منك، وركب في غد ذلك اليوم إلى الصيد.

فلما أمعن في الصحراء ساخت في الأرض يد فرس بعض غلمانه، وهو رمل، فسقط الغلام لنزول يد الفرس كلها في الرمل، فوقف عليه أحمد بن طولون وأخرجت يد الفرس، فنظر فإذا بفتق ففتح، وأصاب فيه من المال [ما] كان مقداره ألف ألف دينار، وهو المطلب

83

الذي شاع خبره، وكتب به إلى العراق، وكتب أحمد بن طولون بخبره إلى المعتمد يستأذنه فيما يصرفه فيه من وجوه البر أو غيرها مما يأمره به، فكتب إليه المعتمد يأمره بأن يصرفه في وجوه البر، فبنى منه البيمارستان، ثم أصاب بعده في الجبل مالا عظيما فبنى منه الجامع، وأوقف جميع ما بقي من المال في الصدقات، فكانت صدقاته ومعروفه لا تحصى كثرة، بنية قوية وشهوة شديدة.

ولما انصرف أحمد بن طولون من الصحراء وحمل المال أحضر ابن دشومة وأراه المال وقال له: بئس الصاحب والمستشار أنت، هذا أول بركة مشورة الميت في النوم، ولولا أنني أمنتك لضربت عنقك. وتغير عليه أحمد بن طولون وسقط محله عنده، ورفع إليه بعد ذلك أنه قد أجحف بالناس، وألزمهم أشياء ضجوا منها، فقبض عليه وأخذ ماله وحبسه فمات في حبسه.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ١٣