تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

64

زعما أنهما من غلمان العمري وأنهما أتياه برأسه، فاستحضرهما الرأس فأحضراه، فدعا بجماعة من أهل الصعيد ممن يعرف العمري فأراهم الرأس، فعرفوه وشهدوا أنه رأس العمري لا يشكون فيه، فقال للغلامين: كان صاحبكما مسيئا إليكما؟ قالا: لا. قال: فكان يمنعكما رزقكما؟ قالا: لا. قال: فركب بحضرتكما إثما استحللتما به قتله؟ قالا: لا. قال: فلم قتلتماه؟ قالا: لأنا أردنا بذلك الحظوة عند الأمير والقرب منه. فقال: ذاك والله أبعد لكما مني ومن الله، عز وجل. وأمر بضرب عنقهما فضربت وصلبت جثتاهما، وأمر برأس العمري فغسل وكفن وطيب ودفن.

ثم ورد عليه الخبر بخروج رجل في الصعيد أيضا يكنى أبا روح، واسمه سكن، من بوادي بحيرة الإسكندرية، ذكر له أنه من بقايا أصحاب ابن الصوفي، والتفت به طائفة كبيرة، فقطع الطريق وأخاف السبيل؛ فوجه إليه قائدا من قواده يعرف بيلبق الطرسوسي وكان جل أصحابه طرسوسيين، وكان أبو روح هذا غلاما عيارا قد ربي بالريف وعرف طرقاتها والحرب فيها، فلما اجتمعا للقتال أوقف أصحابه في أرض كثيرة الشقوق، حصيدة قمح، قد بقي من تبنه ما يستر شقوقه، وأهل الريف قد ألفوا المشي في هذه الأماكن ولا عهد لأهل طرسوس بها، فلما التقوا تطارد أصحاب أبي روح لهم، وطلبتهم خيل يلبق وفرسانه، فوقعت حوافر الخيل في تلك الشقوق فكبت بفرسانها، وسقط بعضهم على بعض، فتراجع أصحاب أبي روح عليهم، فقتل كل من سقط، وانهزم من سلم أقبح هزيمة، فعاد يلبق إلى مصر، فكان الذي لقي هو وأصحابه من غوغاء البلد وعطعطتهم

65

أعظم مما لقوه من الهزيمة.

وأهمل أحمد بن طولون أمره هنيهة إلى أن وافاه خبره من نواحي الفيوم، فأنفذ إليه قائدا من قواده يعرف بابن جيغويه، وأمره أن يأخذ على طريق الواحات من ناحية الصحراء، ليملك عليه فم البرية من هناك ففعل، ثم أمر شعبة بن خركام بالخروج إليه فخرج، وظن أصحاب أبي روح أن هذا كالأول فلم يهربوا منهم وصافوه

66

بالإبليز

67

الكثير الشقوق، فأقبل أصحاب شعبة ينادون: خذوا حذركم من الشقوق فحذروها وهم عليها، وأخذوا عليهم نواحي طرقهم، فلما علموا أنهم قد فطنوا لهم وأن مكيدتهم قد بطلت ولوا منهزمين، فلم يذهب منهم أحد إلا أخذه النشاب فقتل منهم خلق، ومن استسلم أسر، وانهزم أبو روح وولى يريد طريق الواح ولا ملجأ له غيره، فلما أشرف على ابن جيغويه رآه قد ملك فم البرية والطريق، وقف وراسله في الأمان، فظن ابن جيغويه أن شعبة لم يلقه، وأنه وافاه قاصدا يطلب الأمان راغبا فيه فأمنه.

ولما بلغ أحمد بن طولون ذلك اغتاظ على ابن جيغويه غيظا عظيما، ومنعه من الرجوع إلى البلد، وألزمه سكنى الريف شهورا كثيرة؛ عقوبة له على إعطائه الأمان، وكان قد تم له هلاك العدو بأخذه الطريق.

وبعث شعبة بالأسارى وفيهم رجل مخزومي، وكان، فيما زعموا، سيئ المقدرة رديء الظفر، فضربه أحمد بن طولون بالسوط، وحمله على جمل فمات في الطريق، فمكث زمانا مطروحا على رأس الجسر. وكان فيهم رجل يهودي منجم، فقال له أحمد بن طولون: أرأيت هذا في نجومك؟

68

فقال: نعم قد رأيته ونصحت له فلم يقبل نصيحتي، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه وصلب حيا مقابلا للمخزومي حتى مات.

ثم هاج بعد أبي روح أهل برقة ووثبوا بأميرهم محمد بن فروخ

69

الفرغاني، وأخرجوه عن البلد، فأنفذ إليهم أحمد بن طولون أبا الأسود الغطريف ويزبك الفرغاني وكان من حجابه، وهو صاحب الرحبة المجاورة لدور الماذرائيين المسماة به، في جيش عظيم، وبعث إليهم أيضا مراكب مشحونة رجالا وسلاحا وبمنجنيق، وأتبعهم بجيش آخر عليه لؤلؤ غلامه، فلما فصل لؤلؤ أتبعه أيضا جيشا آخر عليه شعبة بن خركام، وأمر رئيس كل جيش منهم بالتوقف والتساند وبذل السلامة والأمان، إن قبل، وتقديم المعذرة وترك العجلة، فإن أجابوه وإلا السيف.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ١١