تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودخل ابن الصوفي

54

إلى نواحي الواحات

55

وأقام مدة، ثم ظهر في نواحي الأشمونين،

56

فأنفذ إليه قائدا يعرف بابن أبي المغيث،

57

فوجده قد صاعد إلى الصعيد، لقتال رجل ظهر بالصعيد، زعم أنه عبد الحميد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، رحمه الله، يكنى أبا عبد الرحمن.

58

وكان السبب في خروجه أن البجة

59

أقبلت في يوم عيد يقدمهم رجل أعور مارد، كلهم ركبان على النجب، حتى كبسوا الناس في مصلاهم، وقتلوا فيهم ونهبوا ورجعوا من حيث جاءوا سالمين، وكان لهم قبل ذلك مقدمات كذلك، فخرج هذا العمري غضبا لله، عز وجل، وللمسلمين، فكمن لهم في طريقهم حتى أقبلوا كعادتهم فكبسهم، وقتل رئيسهم الأعور ومن معه؛ ولهذا السبب كانت الطولونية وغيرهم من الأمراء وإلى اليوم يوقفون من سفح الجبل مما يلي الموضع المعروف بالحبش جيشا كثيفا، مراعيا للناس، حتى ينصرفوا من عيدهم في كل عيد.

ثم دخل هذا العمري إلى بلاد البجة، فقتل فيهم مقتلة عظيمة، وضيق عليهم بلادهم، وصار شجا في حلوقهم حتى أدوا إليه الجزية استكفافا له، وما أدوها لأحد قبله، فكان لا يعرض لأحد من الناس بأذية لا ذمي ولا ملي، وكان مسالما للنوبة للعهد الذي لهم حتى بدا له النوبي الأول الذي بالموضع المعروف بمريس

60

فعطف عليه العمري، وأجلاه عن دياره، وحرق مدائنه، وسبى منهم سبيا كثيرا، حتى إنه كان الرجل من أصحابه يشتري الحاجة من البياع أو من البقال بنوبي أو بنوبية؛ لكثرتهم كانوا في أيدي أصحابه.

فلما التقى هو والعلوي كانت بينهما وقعة انهزم فيها العلوي وصار إلى ناحية أسوان؛

61

فعاث بها وأفسد، وكتب بخبره إلى أحمد بن طولون فكتب إلى بهم بن الحسين يأمره بأن يصاعد في طلبه حيث قصد.

فلما اتصل الخبر بالعلوي مضى هاربا إلى عيذاب

62

وركب البحر إلى مكة وتفرق عنه أصحابه، فلما حصل بمكة بلغ خبره صاحب مكة، فقبض عليه وحبسه عنده، ثم حمله إلى أحمد بن طولون، فلما وصل إلى مصر طيف به وشهر للناس على جمل، واعتقله عنده مدة، ثم أظهر توبة، فأطلقه وأحسن إليه، وخرج إلى المدينة ومات فيها.

ولما وقف أحمد بن طولون على خبر العمري وشدة شوكته على البجة وغيرهم، خاف من سوء العاقبة في أمره إن أغفله فأنفذ جيشا عليه قائد من قواده يعرف بشعبة بن خركام البابكي، فلما قرب منه خرج إليه العمري وقال لأصحابه: لا تعجلوا فإن هذا رجل أعجمي، وأنا أخاطبه بنفسي وأنظر ما عنده.

فخرج من عسكره وقال لمن قرب من عسكر شعبة: إني أريد أخاطب الأمير قبل وقوع الحرب بيننا. فعرف شعبة ذلك فخرج إليه، فلما قرب منه خرج إليه العمري بحيث يسمع بعضهم كلام بعض، فقال له العمري: إن الأمير أحمد بن طولون لم يبلغه خبري على حقيقته، وقد موه عليه في أمري، إني لم أخرج أبغي فسادا، ويدلك على ذلك أني لم أوذ مسلما [ولا] معاهدا، وإنما خرجت في طلب أعداء المسلمين حتى كفانا الله أمرهم، فاكفف يدك عن القتال حتى أكتب إلى الأمير، أعزه الله، وأكشف له خبري، وتكتب أنت أيضا، فإن قبل عذري ولم تثقل عليه وطأتي وأمن جانبي، كتب إليك بالكف والانصراف عني، فانصرفت معذورا مشكورا، وإن أمرك غير ذلك امتثلت أمره غير ملوم، فقال له شعبة: لست أنا فيجا

63

لك أحمل كتابك، ما بيني وبينك إلا السيف. فقال له العمري: ما أنت بحمد الله شعبة الرجال، بل أنت بلعبة النساء أشبه، وما هذا الفعل السيئ والخلق القبيح إلا لمن هو كذلك.

ورجع إلى أصحابه وقال: هذا رجل جاهل أحمق فدونكم، فعطفوا به وحملوا عليه، فانهزم أقبح هزيمة، وعادة [شعبة] إلى أحمد بن طولون فعرفه ما كان، فقال: أخطأت وأسأت، كنت قد أمهلته، وكتبت إلينا بخبره على صحته، لنرى فيه رأينا، لكنك بغيت عليه فنصر عليك.

وأهمل أحمد بن طولون أمره مدة، فلما كان بعد شهور يسيرة وافى إلى أحمد بن طولون غلامان

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ١٠