تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الصحيحُ أنَّ المرادَ إذا حَكَمْتَ فاحْكُمْ بينَهم بما أَنْزَلَ اللَّهُ، فتكونُ كالآيَةِ التي قَبْلَها، وهيَ قولُهُ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. بنو قُريظةَ طائفةٌ مِن اليهودِ، هم الذينَ قاتَلَهُم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ بعدَ أنْ نَقَضُوا عَهْدَهم لَمَّا جاءَ الأحزابُ، فلَمَّا قَاتَلَهم قَتَلَ رجالَهم وسَبَى نساءَهم وذُرِّيَّتَهُمْ. بنو النَّضيرِ قبلَ ذلكَ، هم الذينَ جاءَ إليهم النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ يَستعينُهم في دِيَةِ قتيلَيْنِ، فهَمُّوا بما لمْ يَنَالُوا، قالوا لأحدِهم: اصْعَدْ على هذا السطْحِ وأَلْقِ عليهِ صَخرةً حتَّى تَقتلَهُ، فأَوْحَى اللَّهُ إليهِ بما هَمُّوا بهِ، وَهَمُّوا بما لمْ يَنالُوا، فعندَ ذلكَ عَرَفَ أنَّهُم نَقَضُوا العهدَ، فحاصَرَهم حتَّى أَجلاهم إلى أَذْرِعَاتِ الشامِ، ونَزلتْ فيهم أوَّلُ سورةِ الحشْرِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾.

كانَ بعضُ السلَفِ كابنِ عباسٍ يُسمُّونَهَا سورةَ النضيرِ، وأنَّ قولَهُ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ نَزلتْ في غَزوةِ بَدْرٍ، معَ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ. وأنَّ قولَهُ: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ في سورةِ المائدةِ ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ نَزلتْ في قَضِيَّةِ تَميمٍ الداريِّ وعَدِيِّ بنِ بَداءٍ، في القِصَّةِ الذي ذَكَرَها ابنُ جَريرٍ وغيرُهُ في التفسيرِ، أنَّ رَجلاً مِنْ بني سَهْمٍ مِنْ قريشٍ خَرجَ في تِجارةٍ لهُ، فماتَ ولمْ يكُنْ معهُ إلاَّ هذانِ، وهما لا يَزالانِ معَ النصارى، تَميمٌ وعَدِيٌّ، فأَوْصَى إليهما بتَرِكَتِهِ، فخَانَا فيها، فنَزلت الآيَةُ.

وقولُ أبي أيُّوبَ: إنَّ قولَهُ تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ في قِصَّةٍ في السُّنَنِ، وهيَ صحيحةٌ، وذَكَرَها أيضاً صاحبُ البلوغِ وغيرُهُ، أنَّ أبا أيُّوبَ لَمَّا رأى إنساناً وهمْ يُقاتِلونَ دَخَلَ في صَفِّ المشركينَ فقالَ الناسُ: أَلْقَى بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ، فقالَ: إنَّكُم تَحْمِلُونَ هذهِ الآيَةَ على غيرِ مَحْمَلِها، وإنَّها نَزلتْ فينا مَعشَرَ الأنصارِ، لَمَّا أنَّ اللَّهَ تعالى نَصَرَ نَبِيَّهُ قُلْنَا: هَلُمُّوا فَلْنَتْرُك الجهادَ ونُقْبِلْ على أموالِنا ونُصْلِحْها، فأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فَفَسَّرَ التَّهلُكَةَ بأَنَّها تَرْكُ الجهادِ، هكذا في هذا الحديثِ، والآيَةُ عامَّةٌ في كلِّ شيءٍ يُسَمَّى تَهْلُكَةً.

والحاصلُ أنَّ هذا نظائرُهُ كثيرةٌ، يُفَسِّرُونَ الآيَةَ ببعضِ أَمْثِلَتِها، مثالُ ذلكَ في آيَةِ الْحَجِّ قولُهُ تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، فَسَّرَ بعضُهم الرفَثَ بأنَّهُ الْجِماعُ، وفَسَّرَهُ بعضُهم بأنَّهُ الكلامُ المتعلِّقُ بالعوراتِ، وفَسَّرَهُ بعضُهم بأنَّهُ الكلامُ في النساءِ، يعني: فيما يَتعلَّقُ بإتيانِ النساءِ، وفيما يَتعلَّقُ بالشهواتِ، ونحوِ ذلكَ، وكلُّها داخِلَةٌ فيها؛ هذا لأنَّ الرفَثَ هوَ القولُ السيِّئُ، وإنْ كانَ يُطْلَقُ على الْجِماعِ كقولِهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، ولكنْ رَفَثَ فُلانٌ في قولٍ+.

فالحاصلُ أنَّ هذا مِثالٌ، والفُسوقُ أيضاً أَكْثَرُوا لهُ مِن الأمثلةِ، فقالَ بعضُهم: الفُسوقُ مُضَارَّةُ الكاتبِ والشهيدِ، أَخَذَهُ مِنْ قولِهِ تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فإنَّهُ فُسوقٌ بكم﴾. فجَعَلَ هذا فُسوقاً، ولكنْ هذا كمِثالٍ، وفَسَّرَهُ بعضُهم بالتنابُزِ وأَخَذَهُ مِنْ قولِهِ: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾، فجَعَلَ هذهِ هوَ+ الفسوقُ، ولكِنَّهُ كمِثالٍ أيضاً، وفَسَّرَهُ بعضُهم بأَكْلِ الْمُحَرَّمَاتِ، وأَخَذَهُ مِنْ قولِهِ تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني: أَكْلُ الْمُحَرَّمَاتِ، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، إلى قولِهِ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾.

وهذا أيضاً كمِثالٍ، وأشباهُ ذلكَ يَذكرونَ أنَّهُ نَزَلَ في قَومٍ مِن المشركينَ بمَكَّةَ، والآيَةُ على العمومِ، أوْ في قومٍ مِنْ أهلِ الكتابِ كاليهودِ والنصارى، أوْ في قومٍ مِن المؤمنينَ، فالذينَ قالوا ذلكَ لمْ يَقْصِدُوا أنَّ حُكْمَ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بأولئكَ الأعيانِ دونَ غيرِهم، ولهذا يقولونَ في قواعدِ التفسيرِ: إنَّ العبرةَ بعُمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السببِ، ولوْ كانَ أنَّهُ خاصٌّ بِمَنْ نَزَلَ فيهِ لَمَا اعْتُبِرَ بالآياتِ. ذُكِرَ أنَّ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ كانَ إذا قَرَأَ آياتٍ نَزَلَتْ في أهلِ الكتابِ يقولُ: مَضَى القومُ ولمْ يُعْنَ بهِ سِوَاكُمْ. ففي مِثلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وإنْ كانَ خِطاباً لليهودِ لكنْ تَحذيرٌ لهذهِ الأُمَّةِ. وفي مِثلِ قولِهِ: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الْخِطابُ لليهودِ، ولكنْ تحذيرٌ لهذهِ الأمَّةِ أنْ يَفعلُوا كفِعلِهم. وفي مِثلِ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ وإنْ كانتْ نَزلتْ في اليهودِ لكنَّها تَحذيرٌ أنْ يُفْعَلَ كفِعلِهم. وأشباهُ ذلكَ كثيرٌ، فلا

شرح مقدمة التفسير · الصفحة ٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة التفسيرص ٢٠