عليهِ مِن النوافلِ وما أَشْبَهَهَا، والمقتصِدُ هوَ الذي يَقتصِرُ على صيامِ الفرْضِ ولا يَنْقُصُهُ، والظالمُ هوَ الذي يَظلمُ نفسَهُ بفعلِ شيءٍ مِن المعاصي في أثناءِ الصيامِ بسِبابٍ أوْ لَغْوٍ أوْ سَهْوٍ أوْ شَتْمٍ أوْ نحوِ ذلكَ، ولا يَتقرَّبُ إلى اللَّهِ بشيءٍ مِنْ فضائلِ الصيامِ، ولا مِنْ نوافلِهِ، فيكونُ ظالماً لنفسِهِ مُقَصِّراً في حَقِّها.
يقولُ: " فإنَّ التعريفَ بالمثالِ قدْ يَسْهُلُ أكثرَ مِن التعريفِ بالحَدِّ المطابِقِ "، عَرَفْنَا الحدَّ المطابِقَ، يعني: تعريفَ الشيءِ بالحَدِّ الذي يُحَدَّدُ بهِ، فإذا قيلَ مَثلاً: ما المرادُ بالصيامِ، فيقالُ: هوَ إِمْسَاكٌ مخصوصٌ مِنْ شخْصٍ مخصوصٍ عنْ أشياءَ مَخصوصةٍ. وإذا قيلَ: ما الْحَجُّ؟ فيقالُ: هوَ قَصْدُ البيتِ الحرامِ في زمَنٍ مخصوصٍ لأداءِ أعمالٍ مخصوصةٍ، فيُسَمَّى هذا تعريفاً، ويقالُ: ما السَّلَمُ؟ فنقولُ: هوَ عَقْدٌ على موصوفٍ في الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٌ بثَمَنٍ مقبوضٍ بمجلِسِ العقْدِ، فيقالُ: هذا تخصيصٌ، هذا تعريفٌ بالحَدِّ، كما يقالُ: ما المرادُ بالثوبِ؟ فتقولُ: لِباسٌ يَستُرُ جُزْءَ الإنسانِ، مَنسوجٌ مِنْ قُطْنٍ أوْ مِنْ صُوفٍ أوْ مِنْ كَتَّانٍ أوْ نحوِ ذلكَ، فهذا يُسَمَّى تعريفاً بالْحَدِّ.
وأمَّا التعريفُ بالمثالِ كأنْ تَأْخُذَ واحداً مِن الثيابِ، فتقولُ: هذا ثوبٌ، هذا هوَ الثوبُ، فالتعريفُ بالمثالِ يعني: بالمشاهَدَةِ أَبلغُ، سيَّما للجَهلةِ باللُّغَةِ، كالأجانبِ ونحْوِهم.
يقولُ: العقلُ السليمُ يَتَفَطَّنُ للنوعِ كما يَتَفَطَّنُ إذا أُشيرَ لهُ إلى رغيفٍ، فقيلَ: هذا هوَ الْخُبْزُ، أوْ أُشِيرَ بهِ مَثلاً إلى البيتِ إذا كانَ مَثلاً لا يَعْرِفُ مُسَمَّى البيتِ، فيُقالُ: هذا بيتٌ، وهذا بيتٌ، قدْ يَجيءُ كثيراً مِنْ هذا البابِ كقولِهم: هذهِ الآيَةُ نَزلتْ في كذا، لا سيَّما إذا كانَ المذكورُ شَخْصاً، نَزلتْ في كذا، فيُرادُ بذلكَ يعني: نَزلتْ في جِنْسِ كذا، لا أنَّها نَزلتْ في ذلكَ الشخصِ، كأسبابِ النزولِ المذكورةِ في التفسيرِ.
ذِكْرُ هذهِ الأمثلةِ كقولِهم: آيَةُ الظِّهارِ نَزلتْ في امرأةِ أوسِ بنِ الصامتِ، صحيحٌ أنَّ المُجَادِلَةَ التي سَمِعَ اللَّهُ قولَها هيَ امرأةُ أَوْسٍ، ولكن ليسَ المرادُ أنَّ هذا خاصٌّ؛ لأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، فليسَ خاصًّا بتلكَ المرأةِ. وآيَةُ اللِّعانِ نَزلتْ في عُوَيْمِرٍ العجلانيِّ أوْ هلالِ بنِ أُمَيَّةَ، وكِلاهُما حَصَلَ منهُ اللِّعانُ، وكِلاَ الحديثَيْنِ في الصحيحِ، فعُويمرٌ العجلانيُّ قيلَ: إنَّهُ هوَ الذي شَكَّ في امْرَأَتِهِ لَمَّا نَزَلَت الآياتُ التي في القذْفِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، فجاءَ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ فقالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ معَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ فتَقتولونَهُ، أمْ كيفَ يَفعلُ؟ فكَرِهَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ المسائلَ وعَابَهَا، ثمَّ رَجَعَ إليهِ وقالَ: إنَّ الذي سَأَلْتُكَ عنهُ فقد ابْتُلِيتُ بهِ. فأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذهِ الآياتِ.
كذلكَ أيضاً هِلالُ بنُ أمَيَّةَ، وهوَ أحَدُ الثلاثةِ الذينَ تابَ اللَّهُ عليهم في سورةِ التوبةِ؛ فإنَّهُ أيضاً ذُكِرَ أنَّهُ قَذَفَ امرأتَهُ بشَريكِ بنِ سَحْمَةَ، ثمَّ تَلاعَنَا، فكلُّ واحدٍ مِن المفسِّرينَ يقولُ: نَزلتْ في هِلالٍ، نَزلتْ في عُوَيْمِرٍ.
والمرادُ أنَّها نَزلتْ في جِنْسِ هذهِ الواقعةِ، جِنْسُها لا أنَّها خاصَّةٌ بها. وكذلكَ آيَةُ الكَلالةِ وهيَ قولُهُ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةً﴾ في سورةِ النساءِ، كذلكَ في آخِرِ السورةِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾، فالكَلالةُ اتَّفَقُ الصحابةُ على أنَّهُ مَنْ ماتَ وليسَ لهُ أولادٌ وليسَ لهُ أبٌ ولا جَدٌّ يُسَمَّى كَلالةً، ليسَ لهُ ذُرِّيَّةٌ ذكورٌ وإناثٌ، وليسَ لهُ أبٌ أوْ جَدٌّ، يعني: مَنْ ليسَ لهُ فَرْعٌ وارثٌ، وليسَ لهُ أَصْلٌ وارثٌ مِن الذكورِ، نَزلتْ في جابرٍ لَمَّا ذُكِرَ أنَّهُ لَمَّا مَرِضَ ولمْ يكُنْ لهُ إلاَّ أخواتٌ، فسَأَلَ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ قبلَ أنْ يُولَدَ لهُ أولادٌ، فنَزلت الآيَةُ.
كذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في سورةِ المائدةِ، يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، في هذهِ الآيَةِ تَخْيِيرٌ، إذا جاءُوكَ يَتحاكمونَ فلكَ الْخِيارُ، إمَّا أنْ تَحْكُمَ أوْ تُعْرِضَ. ولكنْ قيلَ: إنَّ هذهِ الآيَةَ نُسِخَتْ بالآيَةِ التي بعدَها، وهيَ هذهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.