يقولُ مسلمٌ ولا عاقلٌ: إنَّ هذا خاصٌّ بِمَنْ نَزَّلَ فيهم اللَّهُ تعالى، يَذْكُرُ ذلكَ حتَّى يُحَذِّرَنا أنْ نَفعلَ كفِعْلِهم، والناسُ وإنْ تَنَازَعُوا في اللفظِ العامِّ الواردِ على سببٍ هلْ يَخْتَصُّ بسببِهِ أمْ لا، لمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنْ عُلماءِ المسلمينَ: إنَّ عُموماتِ الكتابِ والسُّنَّةِ تَختَصُّ بالشخصِ الْمُعَيَّنِ وإلاَّ لبَطَلَ الاستدلالُ بالآياتِ، لوْ قيلَ: إنَّها تَخْتَصُّ بالشخصِ الذي نَزلتْ فيهِ فيُقالُ مَثلاً: آيَةُ اللِّعانِ نَزلتْ في عُوَيْمِرٍ، فلا أَحَدَ يَحتاجُ إلى اللِّعانِ فيما بعدُ، معَ أنَّ لفظَ الآيَةِ عامٌّ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، وكذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَ مُسلماً ثمَّ ارْتَدَّ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ، فنَزلتْ فيهِ هذهِ الآيَةُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾، ولكنَّ الآيَةَ على عُمومِها، كذلكَ قولُهُ: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾، فلا يُقَالُ: إنَّ هذا خَاصٌّ بِمَنْ نَزَلَ فيهِ.
لمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ عُلماءِ المسلمينَ: إنَّ عُموماتِ الكتابِ والسُّنَّةِ تَختَصُّ بذلكَ الشخصِ الْمُعَيَّنِ، وإنَّما غايَةُ ما يُقَالُ: إنَّها تَخْتَصُّ بنوعِ ذلكَ الشخصِ، فتَعُمُّ ما يُشْبِهُهُ، فآيَةُ القتْلِ لا تَتناوَلُ مَثلاً الْجَرْحَ في قولِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً﴾، ما تَتناوَلُ الْجَرْحَ إذا لمْ يَكنْ هناكَ قَتْلٌ إنَّما تَخْتَصُّ بالقتْلِ، وهوَ نوعٌ مِنْ أنواعِ الاعتداءِ.
وأمَّا إذا جاءَ الحديثُ بلفْظٍ أعمَّ فإنَّهُ يَدخلُ فيهِ الجروحُ، مثلُ قولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ))، يَدْخُلُ في ذلكَ الْجِرَاحُ، ويَدْخُلُ في ذلكَ قولُهُ: ﴿وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ﴾.
يقولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: " والآيَةُ التي لها سببٌ مُعَيَّنٌ إنْ كانَ أَمْراً أوْ نَهياً فهيَ مُتناوِلَةٌ لذلكَ الشخْصِ ولغيرِهِ مِمَّنْ كانَ بِمَنزلتِهِ " إنْ كانَ أَمْراً أوْ نَهياً فإنَّ كثيراً مِن الأوامرِ نَزلتْ وقُصِدَ بها جِنْسٌ أوْ ذلكَ الذي نَزلتْ فيهِ، ومعَ ذلكَ فإنَّها عامَّةٌ، فإنَّ مِثلَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾، نَزلتْ في قومٍ مِن الصحابةِ ظَنُّوا أنَّ ذلكَ حَسَنٌ، وإنَّما ذلكَ اتِّبَاعاً لليهودِ لَمَّا كانوا يَقولونَ: راعِنا. ويُريدونَ بذلكَ الرُّعونةَ، وكذلكَ قَولُ اللَّهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، ولوْ كانَ سببُ النزولِ خاصًّا؛ فإنَّ العِبرةَ بعُمومِ اللفظِ متناوِلَةٌ لذلكَ الشخْصِ الذي نَزلتْ فيهِ ولغيرِهِ مِمَّنْ هوَ بِمَنزلتِهِ، هذا إذا كانَ أَمْراً ﴿لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، وكذلكَ إذا كانَ نَهياً أوْ أَمْراً، مِثْلَ قولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ أمْرٌ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ نَهْيٌ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، هذا نَهْيٌ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾.
وأَشباهُ ذلكَ كثيرٌ، تَتناوَلُ الشخصَ الذي نَزلتْ فيهِ، وتَتناوَلُ مَنْ كانَ مِثْلَهُ، وأمَّا إذا كانت خَبَراً بِمَدْحٍ أوْ ذَمٍّ فهيَ مُتناوِلَةٌ لذلكَ الشخصِ وغيرِهِ ممَّنْ كانَ بِمَنزلتِهِ أيضاً، نَزلتْ آياتُ مَدْحٍ لبعضِ الصحابةِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم. نَزَلَ في صُهَيْبٍ قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ لَمَّا نَزلَتْ تَلَقَّاهُ بعضُ الصحابةِ وقالُوا: رَبِحَ البيعُ. فكانَ هذا خَبَراً، ولكنْ كُلُّ مَنْ عَمِلَ مِثلَ هذا فإنَّهُ داخلٌ في الآيَةِ.
كذلكَ قولُهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، نَزلتْ في أَحَدِ المنافقينَ، فهيَ تَتناوَلُ مَنْ كانَ مِثْلَهُ.
يقولُ: " مَعرفةُ سببِ النزولِ يُعِينُ على فَهْمِ الآيَةِ "، ولهذا اشْتَغَلَ كثيرٌ مِن العُلماءِ بأسبابِ النزولِ، منهم الواحديُّ، لهُ كتابٌ مَطبوعٌ، والسيوطيُّ أيضاً لهُ كتابٌ مَطبوعٌ في أسبابِ النزولِ، وإنْ كانوا قدْ يَذكرونُ أسباباً بأسانيدَ ضعيفةٍ، فالعلْمُ بالسببِ يُورِثُ العلمَ بالمُسَبَّبِ، إذا عُرِفَ سَببُ نزولِ الآيَةِ فُهِمَ المرادُ منها. لَمَّا نَزَلَ قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. ما مثالُ التقديمِ؟ ﴿لاَ تُقَدِّمُوا﴾ نَرْجِعُ إلى سببِ النزولِ؛ وذلكَ لأنَّهُ لَمَّا جاءَ وَفْدُ بني تَميمٍ قالَ أبو بكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ: أَمِّرْ عليهم الأقرعَ. فقالَ عُمَرُ: بلْ أَمِّرْ عليهم عُيَيْنَةَ. فقالَ أبو بكرٍ: ما أَرَدْتَ إلاَّ خِلافِي. فقالَ عُمَرُ: ما أردْتُ