... ومما يستدل به العنبري – (79) – من كلام شيخ الإسلام ما جاء في الفتاوى (28/343) حيث قال رحمه الله: "وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة كالذي يقبل الصبي والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة ... أو يشهد الزور، أو يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله أو يعتدي على رعيته أو يتعزى بعزاء الجاهلية، أو يلبي داعي الجاهلية، إلى غير ذلك من المحرمات".
... هكذا نقله العنبري مبتورا فقطع المبتدأ عن خبره، ولو أكمل لتبين من المقصود بالذي يحكم بغير ما أنزل الله وأن المقصود به القاضي حيث قال شيخ الإسلام بعد ذلك: "فهؤلاء يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا، بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة الذنب في الناس وقلته" فمن يا ترى الذي يعاقب ويعزر ويؤدب بقدر ما يراه الوالي؟! ومن المعلوم أيضا أن القاضي لا يملك تغيير الأحكام وتبديلها وإنما عماه هو التطبيق فقط.
... ومن هذا المثال تعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية أو غيره من العلماء قد يطلق القول بأن الحكم بغير ما أنزل الله معصية ولكنه يريد به الخلل في التطبيق لا تغيير الشرع وتبديله.
... لقد أتعب العنبري نفسه في محاولة إقناع القراء بأن القول بالتفريق بين القضية المعينة والتشريع العام قول لا أصل له، ولم يقل به أحد من أهل العلم، وسوف أذكر في هذا الفصل بعض أقوالهم الصريحة في ذلك، ليقف القارئ على شدة استغفال العنبري للقراء، أو سعة جهله بأقوال العلماء.
... أولا: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد تقدم قوله.