وأيضا قوله: "فإن هم تركوا شيئا منه" يعلم منه أنه لا يمكن أن ينزل على من لا يطبق من الشريعة إلا ما جرى به العرف والعادة كأحكام الطلاق والنكاح وغيرها.
ويستأنس لهذا أن السلف لم يكن معروفا في عصرهم هذا الاستبدال الشبه كامل لشريعة الله سبحانه، وإنما وجد في عصرهم الانحرافات والتجاوزات في تطبيق الأحكام.
فيجب أن يعلم في حق من تقال هذه الكلمة "كفر دون كفر"، وأن السلف أرادوا بها الرد على الخوارج الذين كفروا الأئمة بمجرد الظلم والجور مع التزامهم بالشريعة، واعترافهم بالذنب.
ومن خلال هذه الأوجه التي ذكرت يتبين لنا أن قول السلف "كفر دون كفر" حق، ولكن يجب أن ينزل على ما لا يخالف أصل الدين أو يخالف الإجماع، أو يخالف مراد السلف من هذه العبارة.
قال الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله: "وروي عن ابن عباس أنه قال: "كفر دون كفر" "وظلم دون ظلم" "وفسق دون فسق" ولعل ابن عباس رأى هذا فيمن حكم مرة واحدة في جميع أحكامه أو في رجل مسلم يحكم بالشريعة لكن زينت له نفسه أن يحكم بغير الشرع لكن غير منتقص للشرع" – فوائد من شرح كتاب التوحيد (105) - .
لقد شغب العنبري وأمثاله على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله زاعمين أنه لا فرق عنده بين القضايا المعينة والتشريع العام، والحق أن كلام شيخ الإسلام رحمه الله واضح وصريح في التفريق بينهما.
... وقبل أن أبين ذلك لا بد أن نعلم أنه لا بد من الجمع بين أقوال شيخ الإسلام جميعها، والتوفيق بينها، وإجراء أصول فهم الكلام عليها من تقديم المنطوق على المفهوم والمبين على المجمل ونحو ذلك، وأي فهم يخالف هذه الأصول فهو فهم خاطئ ومردود.