... وترك العمل بالتوحيد هو العمل بضده وهو الشرك الأكبر الذي هو مساواة العبد غير الله بالله فيما اختص به الله، فمن صرف شيئا اختص الله به لغيره فقد أشرك شركا أكبر، كالذي يعبد غير الله أو يدعي علم الغيب من دون الله، أو يشرع من دون الله، وهذه قاعدة مضطردة لا استثناء فيها، بل قد ذكر الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – أن الإشراك في العبادة والإشراك في الحكم لهما نفس الحكم، ولا فرق بينهما، حيث قال في أضوائه: "فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته" – أضواء البيان (7/162) - .
... وقال أيضا: "الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظاما غير نظام الله أو غير ما شرعه الله، وقانونا مخالفا لشرع الله من وضع البشر معرضا عن نور السماء الذي أنزل الله على لسان رسوله ... من كان يفعل هذا ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه فهما واحد وكلاهما مشرك بالله، هذا أشرك به في عبادته وهذا أشرك به في حكمه كلهما سواء" – أشرطة الشيخ في تفسير براءة عند قوله تعالى "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ... " - .
... فهذا كلام الإمام الشنقيطي رحمه الله واضح جدا في الحكم بالشرك على المتبع لنظام وتشريع غير تشريع الله، لا كما يزعم العنبري أن إطلاق الحكم بالشرك على من نازع الله في تشريعه لا يستقيم على أصول أهل السنة، بل إن قوله هو الذي لا يستقيم على أصول أهل السنة، ‘ذ كيف يكون التشريع حقا خالصا لله ثم لا يكون مشركا من صرفه لغيره؟
... إذن فمعرفة أصل الإسلام وهو التوحيد، ومعرفة ما يضاده وهو الشرك يأبى هذا التعميم من العنبري وأمثاله لقول ابن عباس رضي الله عنه، فيجب حمل قوله على ما لا يخالف هذا الأصل الأصيل والركن الركين، وذلك بحمله على الانحرافات الجزئية لا التشريعات العامة.