الهداية القلبية و إيصال الإيمان إلى القلوب، بخلاف البلاغ والبيان؛ فإنه وظيفته و رسالته كما قال تعالى: ((إن عليك إلا البلاغ)) (الشورى:48). و قد أخبر بأنه يهدي إلى الحق، أي: يدل عليه، كما قال عز و جل: ((و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم)) (الشورى:52). و المراد هداية البيان و الدلالة و الإرشاد، فأثبت هداية البيان و نفى هداية التوفيق و الإلهام و قبول الإسلام، فمع هذه النصوص الصريحة كيف يقال: إن المخلوق يملك بتمليك الله الهداية و الإضلال، و الإعطاء و المنع، و الإحياء و الإماتة، أو يتصرف بإذن الله في الكون فيرسل الرياح و يثير السحب، و ينزل المطر، و ينبت النبات، و يخلق، و يرزق؟!
كل هذا جرأة على الله، و إنما جعل الله من معجزات عيسى ابن مريم عليه السلام شيئاً من ذلك بإذن الله، ثم انقطع برفعه إلى السماء، و لم يذكر الله تعالى أن أحداً من الأموات أو الغائبين، يهدي من أحب، أو يرزق من يشاء بإذن الله؛ بل قال تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم: ((قل لا أملك لنفسي نفعا و لا ضراً إلا ما شاء الله و لو كنتُ أعلمُ الغيبَ لاستكثرتُ من الخير و ما مسني السوء)) (الأعراف:188).
فهل يقال بعد هذا: إنه هو أو من دونه بعد موته يملك بتمليك الله النفع و الضر، و الإعطاء والمنع؟ و أنه بناء على ذلك يُطْلَبُ منه كما يُطْلَبُ من الله! فَيُدْعَى وَ يُرْجَى و تعلّق عليه الآمال و يخشع له العبد و يتواضع! و يقف أمام قبره خاضعاً ذليلاً و خائفاً راجياً، فإن هذا كله لازم قول هذا الكاتب؛ حيث أباح نداءه و جعله مالكاً متصرفاً فيما هو من خصائص الرب تعالى، و قد صح عن نبينا صلى الله عليه و سلم أنه قال لعشيرته الأقربين: "انقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئاً". و قال لعمه العباس: "لا أغني عنك من الله شيئاً".
و هكذا قال لعمته و لابنته فاطمة الزهراء، و أمرهم بأن يعملوا عملاً صالحاً لوجه الله، ينقذون به أنفسهم من النار، و لا يعتمدون على قرابتهم منه أو شرفه عند الله، بل قال صلى الله عليه و سلم في حديث آخر: "و من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه".
و كل هذا حث للمسلم أن يعمل لله عملاً خالصاً لوجهه يكون سبباً لنجاته يوم القيامة، فلا يعتمد على نسب، و لا حسب، و لا يرغب إلى أي مخلوق يدعوه أو يرجوه، أو يخافه أو يعظمه كتعظيم الله تعالى، أو يعقد عليه أمله أو يعتقد أنه يملك من أمر الله شيئاً مع قول الله عز و جل لنبيه صلى الله عليه و سلم: ((ليس لك من الأمر شيء)) (آل عمران:128). و قوله: ((قل إن الأمر كله لله)) (آل عمران:154). فهل ذكر الله تعالى أنه قد ملك أحداً من خلقه شيئاً من حقه؟ أو فوَّض إليه التصرف في