و قد رأينا خشوعه و تذلله أمام هذا المخلوق الميت، و ذلك هو عين العبادة كما عرفنا، فنحكم عليه بموجب فعله و قوله؛ بأنه قد أشرك بالله و تأله سواه، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب و تعظمه، و تحبه و ترجوه، و تخافه و تعامله بما لا يصلح إلا لله، و لو لم يسمه الفاعل إلهاً، و لو لم يسم فعله تألهاً و تعبداً؛ فإن العبرة بالحقائق و ما في نفس الأمر بخلاف الأسماء، فأهل هذا الزمان لما جهلوا حقيقة العبادة والتأله و الدعاء و نحوه الذي هو من حق الله و لم يعرفوا معانيها و أصل وضعها صرفوها لغير الله، و سموا ذلك توسلاً و استشفاعاً و تبركاً و احتراماً و هو عين عبادة ذلك المخلوق، و عين الشرك الذي توعد الله عليه بالنار و حرمان الجنة.
ثالثاً: ثم قال الكاتب في الصفحة الثالثة في أول السطر التاسع: [أما من اعتقد فيمن يناديه بأنه من أهل العطاء، و ما ملك إلا بتمليك الله، و لا يتصرف إلا بإذن الله فهو موحد ... الخ].
فنقول: لا حاجة لنا في التنقيب عن معتقده، الذي يقوم بقلبه فإنه أمر خفي، و قد يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فنحن نأخذه بالظاهر، فإن أفعاله تعبر عن ما في ضميره و لو حاول تغييره لم يستطع.
ثم نقول أيضاً: كيف يصلح اعتقاد أن المخلوق من أهل العطاء، أي أنه يملك أن يعطي من يشاء مغفرة، و رزقاً، و مالاً، و ولداً، و صحة، و غنى، .. الخ؟ فإن الذي يملك ذلك هو الله وحده، كما وصفه نبيه صلى الله عليه و سلم بقوله: "اللهم لا مانع لما أعطيت و لا معطي لما منعت".
و قد أخبر الله عن كل ما يُدْعَى من دونه بأنهم: ((ما يملكون من قطمير)) (فاطر:13).
و إن أراد الكاتب أنه من أهل العطاء، أي الذين أعطاهم الله نوعاً من التصرف و الملكية، فهذا لا دليل عليه، و إنما خصائص الأنبياء نزول الوحي عليهم و تكليفهم بالتبليغ عن الله ما نزل إليهم، و لم يعطهم شيئاً من حقه الذي هو الدعاء و العبادة و التأله، و لا ملكهم رزق العباد، وهبة الأولاد، و شفاء الأسقام البدنية، و غفران الذنوب و نحوها، و على هذا فمن اعتقد في نبي، أو ملك، أو ولي، أو مخلوق، أنه مفوّض من الله في إهلاك من شاء، أو إعطاء من أراد، أو إدخال جنة أو ناراً، فقد صادم النصوص، و أشرك المخلوق في حق الخالق؛ فإن الله تعالى قال لرسوله محمد صلى الله عليه و سلم، -و هو أشرف الخلق و أفضلهم-: ((إنك لا تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء)) (القصص:56). فإذا كان سيد الخلق، و خاتم الرسل، لا يقدر على هداية عمه أو أقاربه فكيف يهدي أبعد الخلق و أشفاهم إذا دعوه مع الله و صرفوا له ما لا يستحقه إلا الله؟ و لقد أمره الله تعالى أن يعترف بعدم ملكيته لشيء من ذلك؛ لأنه حق الله وحده، قال الله تعالى: ((قل إني لا أملك لكم ضراً و لا رشداً)) (الجن:21). و الرشد: