تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من دون الله)) (مريم:48). ثم قال: ((فلما اعتزلهم و ما يعبدون من دون الله)) (مريم:49). فعبر بالعبادة عن الدعاء.

و بعد أن عرفت حقيقة الدعاء و حقيقة العبادة و تلازمهما فإن الأدلة واضحة على أن الدعاء حق الله، لا يُصرف منه شيء لغير الله، قال تعالى: ((فلا تدعوا مع الله أحداً)) (الجن:18). و قال ((و لا تدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك)) (يونس:106). و قال: ((و من أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة)) (الأحقاف:5). و نحوها من الآيات.

ثانياً: أما قول هذا الكاتب: [أما النداء لغير الله فيرجع إلى عقيدة الداعي، إن كان يعتقد فيمن يناديه؛ أنه يضر وينفع، و يعطي و يمنع، من غير إذن الله فقد أشرك].

نقول: إن دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك مطلقاً؛ سواء كان المدعو ملكاً، أو نبيّاً، أو ولياً، أو جنِّيّاً، أو صالحاً، أو شريفاً، أو سيداً، أو شجراً، أو قبراً، أو غير ذلك، فأما إن دعى إنساناً حيّاً حاضراً قادراً و طلب منه ما يقدر عليه، كقوله: يا فلان اسقني، أو أطعمني، أو احملني، أو احمل رحلي، و نحو ذلك فهذا جائز، و هو من الأفعال المحسوسة، التي لا يزال الناس يفعلونها و يعين بعضهم بعضاً على فعلها. و كذا إن قال: يا فلان ادع الله لي بالمغفرة و الجنة، أو أشركني في صدقاتك، أو وقفك، أو دعواتك و نحوها، فإن دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب مما يثيبه الله عليه، و هذا بخلاف ما إذا قال: اغفر ذنبي و أدخلني الجنة، أو: خذ بيدي عن النار و نحو ذلك، فإن هذا لا يجوز فعله مع الحي فضلاً عن الميت؛ لأنه مما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يطلب إلا منه تعالى.

فنحن نستدل بفعل الإنسان على عقيدته، فمتى رأينا شخصاً وقف عند قبر إنسان معظَّم في نفسه، و خضع برأسه، و تذلل، و أهطع، و أقنع، و خشع، و خفض صوته، و سكنت جوارحه، و أحضر قلبه و لبّه، أعظم مما يفعل في الصلاة بين يدي ربه عز و جل، و هتف باسم ذلك المقبور، و ناداه نداء من وثق منه بالعطاء، و علق عليه الرجاء و نحو ذلك، فإننا لا نشك أنه و الحالة هذه يعتقد أنه يعطيه سؤله و يدفع عنه السوء، و أنه يستطيع التصرف في أمر الله، ففعله هذا دليل سوء معتقده، فلا حاجة لنا أن نسأله: هل أنت تعتقد أنه يضر و ينفع من غير إذن الله؟ فالله تعالى ما كلفنا أن ننقب عن قلوب الناس، و إنما نأخذهم بموجب أفعالهم و أقوالهم الظاهرة، و هذا الشخص قد خالف قول الله تعالى: ((و لا تدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين)) (يونس:106).

الكنز الثمين · الصفحة ٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الكنز الثمينص ٥٤