فلا يجوز أن يجعل أحد من البشر في منزلة النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة به، ولا يجوز أن تجعل الأمور الخاصة به عليه الصلاة والسلام لغيره، فهذا هضم لحقه صلى الله عليه وسلم وانتقاص له وإنكار لخصائصه التي تميز بها.
ولذلك لم يثبت أن أحداً من الصحابة أو التابعين أو أحداً من سلف هذه الأمة تبرك بجسد أحد من الصالحين، ولا من العشرة المبشرين بالجنة، ولا من آل البيت، ولا من غيرهم، وهذا إجماع منهم على تحريم التبرك بجسد غيره صلى الله عليه وسلم من البشر، إذ لو كان جائزاً لبادروا إليه، لحرصهم على الخير.
3 – بيان كثرة أجور من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، ولم ير أكثر دلائل نبوته، لأن هذا دليل على قوة إيمانه، فجانب الإيمان بالغيب بالنسبة إليه في باب الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أكثر منه في حق من رآه عليه الصلاة والسلام (1)، ولا يعني هذا تفضيله تفضيلاً مطلقاً على من شاهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن أفراد الصحابة أفضل من كل من جاء بعدهم، قال الحافظ ابن حجر: ((مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضاً فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبي صلى الله عليه وسلم من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد)) (2).
* *
(1) فكل منهما في إيمانه في هذه المسألة مؤمن بمسألة غيبيه، وهي أن الله أرسله عليه الصلاة والسلام، بل إن الإيمان بجميع مسائل العقيدة إنما هو إيمان بالغيب، كما هو مقرر في موضعه، لكن مقدار هذا الغيب قد يختلف من شخص لآخر في بعض المسائل.
(2) ينظر الفتح: أو كتاب فضائل الصحابة 7/ 6، 7، وينظر: شرح مشكل الآثار 6/ 254 – 266، مجموع الفتاوى 4/ 461 – 464، 527.