عرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع (1)، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - ولا صاحباه من أهل مكة، بل كانوا آفاقيين، وجمع الناس وراءهم، ولذا انعقد الإجماع على مشروعية الجمع في هذين الموضعين للآفاقيين (2). ولم يجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجته إلا بعرفة ومزدلفة (3).
المسألة الثالثة: الجمع في الحج لأهل مكة.
اختلف أهل العلم في جواز الجمع لأهل مكة في الحج، ومبنى الخلاف على العذر الذي لأجله شُرع الجمع، هل هو: النسك؟ أو السفر؟ فمن قال: النسك، أباح الجمع للمكي كالآفاقي لوجود العلة فيهما، ومن قال: السفر، علّقه على الحكم بكون المكيّ مسافراً في المشاعر أو لا. والحاصل أن القولين كما يأتي:
القول الأول: العلة هي النسك. وهو مذهب الحنفية (4)، والمالكية (5)، والقديم من مذهب الشافعية (6)، وهو مشهور مذهب الحنابلة (7).
القول الثاني: العلة هي السفر. وهو الجديد في مذهب الشافعية (8)، وقول لبعض الحنابلة (9).
دليل القول الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع ولم يأمر أهل مكة بترك الجمع؛ كما أمرهم بترك القصر فقال:"أتموا فإنا قوم سفر" (10) فلو كان للسفر لأباح لهم القصر (11).
(1) انظر: مجموع الفتاوى (24/ 23).
(2) انظر: المجموع (4/ 249)
(3) انظر: مجموع الفتاوى (24/ 45).
(4) انظر: المبسوط (1/ 149) وبدائع الصنائع (1/ 214). ولذا منعوا من الجمع في السفر؛ بل منعوا الجمع مطلقاً إلا في عرفة ومزدلفة.
(5) انظر: مواهب الجليل (4/ 170) وشرح الزرقاني على الموطأ (2/ 479) وحاشية الخرشي على خليل (3/ 194).
(6) انظر: المجموع (4/ 249) والنجم الوهاج (3/ 503).
(7) انظر: المغني (5/ 265) ومجموع الفتاوى (24/ 45) والفروع (3/ 115).
(8) انظر: المجموع (4/ 249) والنجم الوهاج (3/ 503).
(9) انظر: المغني (5/ 265) والإنصاف (5/ 43) وكشاف القناع (3/ 289).
(10) رواه أبو داود (2 - كتاب الصلاة/ 279 - باب متى يتم المسافر؟ / حديث 1229/ ج 2/ص 17). قال المنذري في (مختصر سنن أبي داود 2/ 61): "في إسناده علي بن زيد بن جدعان، وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة، وقال بعضهم: هو حديث لا تقوم به حجة لكثرة اضطرابه". وضعفه الألباني في (ضعيف أبي داود ص 95).
(11) انظر: المغني (5/ 265).