الثاني سبعاً وتسعين ساعة (أربعة أيام وساعة). بأي دليل نبيح للأول القصر ونأمر الثاني بالإتمام؟ مع العلم أن كل واحد منهما لا يريد إقامة مطلقة؛ وإنما يريد إقامة مرتبطة بانتهاء عمله، وكل منهما يعتبر نفسه ظاعناً عن أهله؛ ولو قيل له بعد انتهاء عمله: أقم؛ ما أقام. فكيف نفرّق بينهما سفراً وإقامة بفرق ساعة؟! (1)
القسم الثاني:
دليل القول السادس: أن السفر لم يرد تحديده في الشرع ولا في اللغة؛ وما لم يرد تحديده في الشرع ولا في اللغة؛ فمردّه إلى العرف.
قال شيخ الإسلام: "كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع؛ فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفراً في عُرف الناس فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم" (2).
المناقشة: يمكن أن يناقش بأن العرف لا ينضبط.
الجواب: أنه يمكن ضبط العرف من خلال الأوصاف التي يتعارف عليها أوساط الناس بتمييزها المقيمَ عن المسافر؛ والمسافرَ عن المقيم. ففي هذا الزمان –مثلاً-: من الأوصاف العرفية التي تتحقق بها الإقامة:
1/ النية المستقرة للإقامة. وهو من أهم الأوصاف، ولذا نجد أن ناوي الاستيطان والإقامة المؤبدة مقيم؛ ومن قال: أخرج اليوم أخرج غداً؛ أنه مسافر. فالأول في أعلى حالات الطمأنينة والاستقرار؛ والثاني في أعلى حالات الاضطراب والتردد. ومن صور الاضطراب: حال الحرب والخوف.
2/ مدة الإقامة المنوية. فإنا نجد أن أهل العرف لا يشكّون في أن النازل خمسة أيام أو عشرة أو عشرين أنه مسافر لم ينقطع عنه اسم السفر؛ وأنه لا يوصف بأنه مقيم في هذا البلد ولا أنها دار إقامة له. كما أن ناوي الإقامة –عندهم- سنةً ونحوها مقيمٌ.
(1) انظر: فتاوى ابن عثيمين (15/ 307).
(2) مجموع الفتاوى (24/ 40). وانظر فيه أيضاً: (24/ 18، 135 - 137).