وقال شيخ الإسلام: "وعلى هذا، فالمسافر لم يكن مسافراً لقطعه مسافة محدودة ولا لقطعه أياماً محدودة، بل كان مسافراً لجنس العمل الذي هو سفر، وقد يكون مسافراً من مسافة قريبة ولا يكون مسافراً من أبعد منها: مثل أن يركب فرساً سابقاً ويسير مسافة بريد ثم يرجع من ساعته إلى بلده؛ فهذا ليس مسافراً. وإن قطع هذه المسافة في يوم وليلة، ويحتاج في ذلك إلى حمل زاد ومزاد (1) كان مسافراً، كما كان سفر أهل مكة إلى عرفة. ولو ركب رجل فرساً سابقاً إلى عرفة ثم رجع من يومه إلى مكة لم يكن مسافراً"اهـ (2).
وقال رحمه الله في موضع آخر: "والرجل قد يخرج من القرية إلى صحراء لحطب يأتي به فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافراً، وإن كانت المسافة أقل من ميل، بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنه لا يكون في ذلك مسافراً، فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد بخلاف الثاني. فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفراً، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفراً".
وبناء على ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله؛ فإن للمسألة أربع حالات:
الحالة الأولى: مدة طويلة في مسافة طويلة، فهذا سفر.
الحالة الثانية: مدة قصيرة في مسافة قصيرة، فهذا ليس بسفر.
الحالة الثالثة: مدة طويلة في مسافة قصيرة، فهذا سفر.
الحالة الرابعة: مدة قصيرة في مسافة طويلة، فإن تأهب له واستعد بأخذ الزاد والمزاد فهو سفر؛ وإلا فليس بسفر (3).
المسألة الرابعة: مدة السفر المبيح للجمع. وتحتها فرعان:
الفرع الأول: مدة السفر المبيح للجمع إذا لم يُجمع مكثاً.
الفرع الثاني: الإقامة المانعة من الجمع للمسافر.
الفرع الأول: مدة السفر المبيح للجمع إذا لم يُجمع مكثاً.
(1) الزاد: الطعام والشراب، والمزاد: وعاء الماء. (انظر: مجموع الفتاوى 24/ 94).
(2) مجموع الفتاوى (24/ 119).
(3) انظر: الشرح الممتع (4/ 352 - 353). لكن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قد عدّ الحالة الرابعة سفراً مطلقاً. والمتأمل في كلام شيخ الإسلام يجد أنه يشترط في هذه الحالة التأهب والاستعداد بأخذ الزاد والمزاد.