سفراً أو لا؟ فإن المسألة حينئذ يتجاذبها أصلان:
الأصل الأول: أن السفر مفارقة محل الإقامة، وحينئذ يعتبر هذا سفراً.
الأصل الثاني: أن الأصل الإقامة حتى يتحقق السفر، وما دام الإنسان شاكاً؛ فإنه يبقى على الأصل؛ وهو كونه مقيماً. وهذا الأصل أقرب وأحوط (1).
الدليل الرابع: أن التحديد بالأميال والفراسخ يحتاج إلى معرفة مقدار مساحة الأرض ومسافاتها وأطوالها وأبعادها، وهذا أمر لا يعلمه إلا خاصة الناس، ومن ذكره فإنما يخبر به تقليداً عن غيره لا قطعاً به، فكيف يقدّر الشرع للأمة حداً لم يحدّه لهم في كلامه، وهو إما يتعذر عليهم طلبه من غير الشرع أو يتعسر (2).
الدليل الخامس: إن مسالك الناس في دروبهم وأسفارهم مختلفة، فربما سلك بعضهم جبلاً والآخر وادياً، وربما طال سفر أحدهم لبطئه وقصر سفر الآخر لسرعته، والسبب الموجِب هو السفر لا مسافة الأرض (3).
الترجيح: الراجح هو القول الخامس لقوة أدلته وضعف أدلة المخالفين وورود المناقشات عليها؛ ولأن ظواهر الأدلة تجتمع عليه.
قال الموفق ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في كلام له نفيسٍ موفق: "ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف. وقد روي عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - خلاف ما احتج به أصحابنا. ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله. وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين: أحدهما: أنه مخالف لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي رويناها ولظاهر القرآن ... والثاني: أن أصل التقدير بابه التوقيف، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، سيما وليس له أصل يردّ إليه، ولا نظيرٌ يقاس عليه، والحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه"اهـ (4).
(1) انظر: الشرح الممتع (4/ 353).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (24/ 39 - 40).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (24/ 40).
(4) المغني (3/ 108 - 109).