تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كان لقاء الأفغاني حاسماً في حياة النديم، وانعطافاً حاداً في سيرته السياسية، فمنذ اللقاء الأول بين الرجلين اكتشف الأستاذ الأفغاني تلميذه العبقري، وعرف قدراته واستعداده للعمل الوطني، ورأى نفسه فيه عازفاً عن الدنيا منصرفاً عنها، وباديء ذي بدء اجتذبه من وسط الأدباتية وحياة السوقة والتشرد إلى مصافي المثقفين والشروع في التنظيم السياسي والعمل على الحسم العسكري، وبذلك يكون قد وجّهه الوجهة التي كان مستعداً لها ولكنه لم يدركها قبل لقائه الأستاذ العظيم.

من جهته واظب النديم على دروس أستاذه فانتفع بها واشتعلت أعصابه بكلمات ذلك الثوري العظيم، وسرت في دمائه وشرايينه، وأخذ عنه آراءه في نهضة الشرق.

انتسب النديم إلى الحزب الوطني وأخذ يتدرب بين يدي أستاذه على الخطابة وكيفية تكوين الرأي العام ولقاء الجماهير حتى غدا واحداً من أقطاب الخطابة الذين يعتز بهم التيار الوطني ومثقفاً كامل العدّة والاستعداد ليحرر في الصحف والجرائد، وبعد ذلك أوفد إلى الإسكندرية لينشر مبادئ الثورة بين الناس ويكتب في جريدتي مصر والتجارة اللتين كان يديرهما أديب اسحق وسليم النقّاش وهما شاميان من أعوان الأفغاني وتلاميذه.

ذات غروب شاحب من شتاء عام 1879 وصل النديم إلى الإسكندرية وله من العمر ستة وثلاثون عاماً، وهو على أشد ما يكون عليه من الفرح والشوق، ذلك لأن هذه المدينة كانت أثيرة لديه محببة إلى قلبه، وعن فرحته هذه كتب إلى صديقه أحمد وهبي يصف غبطته بلقائها وصفاً دقيقاً مؤثراً //ما إن أقبلت عليها حتى تنشقت الهواء العنبري من النسيم السكندري، فتحركت الأعضاء وأحسّت النفس بالسرور وطربت، وهكذا السرور إن زاد أبكى!، ومازلت أشرب السرور شيئاً فشيئاً حتى مزجت بالفرح وتناساني الترح، واقتصرت على التمتع بنورها الطبيعي، وتروّح الفكر بشكلها البديعي. إنها نزهة نفسي ومركز أنسي وأول أرض مسّ جسمي ترابها// (9).

عبد الله النديم سيرة عطرة ... وحياة حافلة * دراسة * · الصفحة ٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عبد الله النديم سيرة عطرة ... وحياة حافلة * دراسة *ص ٥٤