وفي عام 1876 قادته قدماه إلى مدينة طنطا وفيها تعرّف على مفتش الوجه البحري وأحد مؤسسي الحزب الوطني ومناصري تياره في البلاد شاهين باشا كنج، فاستضافه الباشا واتخذه نديماً له وسميراً، وفي بيته تعرّف على أحد المتنفذين في القصر فجعله وكيلاً على أرزاقه، وبعد أن أزال هذا المتنفذ غضب القصر عن النديم بدأ الرجلان يتقابلان في القاهرة.
وفي القاهرة عرّج النديم على مقهى البوسطة حيث كان الأفغاني يقيم مجلسه، وفي هذه الحلقات من الدروس المفعمة بالثورية وقعت عيناه على مثقفين لم يعهد واحداً منهم من قبل، ولم يطل به البقاء بينهم حتى بدأ يلم بخيوط الصراع الخفية ويستشف مأساة الفلاح المصري الذي ينتمي إليه ولو من بعيد.
كان الأفغاني مثقفاً ثورياً ومحدثاً بارعاً مؤثراً لا يعرف الكلل ولا يدركه الملل، ولا ينضب كلامه ولا ينتهي، كما كان عبقرياً في تكوين الرأي العام حوله، وكان قد اتخذ ندوته في مقهى البوسطة نهاراً، وفي بيته بخان الخليلي ليلاً، وفي حديثه كان يتناول شتّى شؤون الحياة، وعالجت موضوعاته النهضة الدينية والسياسية والأخلاقية في الشرق عامة وفي مصر خاصة، ودعا إلى الحد من سيطرة الغرب والوقوف في وجهه وعدم تمكينه من الشعوب الإسلامية ثم تناول موضوعات محلية عن الدستور والحرية والحكم النيابي وضرورة معرفة واجبات الحاكم وحقوق العامة، وحثّ الشباب المصري على ضرورة الانتساب إلى أحزاب سياسية، لذلك أسهم في تأسيس الحزب الوطني الحر في أواخر عهد اسماعيل، هذا الحزب الذي قاد ونظّم الثورة العرابية. لقد أدهش الأفغاني بموضوعاته هذه جيلاً من الشباب المصري المثقف وبهره!.