لم تطل فرحته بلقاء الإسكندرية، فالمدينة كانت قد فقدت طابعها العربي البسيط، ولم يعد لها ذلك الطهر والنقاء اللذان كانت عليهما أيام طفولته، فأبناؤها الأصليون قد انحسروا إلى الريف أو قطنوا على جنباتها في أكواخ من طين وصفيح يسودها الإملاق والعوز، في الوقت الذي نبتت فيه مساكن الأجانب قصوراً مشيدة تشع منها الأنوار وتجوسها العربات الفارهة وكأن المدينة كما تراءى للنديم //قد زهدت بأهل العلم وكرهت لسان العرب وأصبح حظها موقوفاً على أهل العي والفجور، فتركها أبناؤها المتعلمون وانسلوا بالحريم والأولاد//
(10)، وفي الرسالة ذاتها يخاطب النديم المدينة الأثيرة لديه خطاباً شاعرياً شفافاً ويسألها بعتاب رقيق ... لماذا أصبح أبناؤها غرباء على الرغم من أن خيرها// لم يكن مقصوراً على القريب بل هو متاع له وللغريب//، وصادف أن الأمطار الموسميّة قد بدأت تنهمر في لحظات اللقاء هذا ... فطارت روحه شعاعاً، وتراءى له أن المدينة آخذة بالانتحاب والنشيج وكأنها تستقبله بدموع مدرارة// سكبتها الأمطار الموسمية فقامت وحقدتْ وأبرقتْ وأرعدتْ وأرسلتْ السحب كالبحار وسوّتْ بين الليل والنهار ... ثم طلعت الشمس بعد أربعة
أيام// (11).
بحذر وأناة درس النديم أجواء المدينة وتفهّم تياراتها الثقافية منها والسياسية، وتأكد أن الجميع منهمك في مناقشة أحوال البلاد، ولاحظ أن ذلك كله قد سبك في تيار قومي عارم ينبض بالحياة والنشاط بوجهيه الأدبي الذي يرتكز على إحياء التراث والسياسي الذي يدعو إلى الثورة المسلحة، وأن الأهالي قد تجمعوا //حول أهداف محددة يعملون لها ويسعون إليها في السر والعلن// (12). كان كل شيء جديداً حقاً وكان هو الآخر يرى نفسه //وكأنه أعيد خلقه من جديد// (13).