و قد وقعت للزهري قصة تشبه هذه مع الوليد بن عبد الملك ، و فيها : أن الوليد قال له : يا أبا بكر ! من تولى كبره أليس فلانا ؟ قال الزهري : قلت : لا ! فضرب الوليد بقضيبه على السرير : فمن ؟ فمن ؟ حتى ردد ذلك مرارا ، قال الزهري : لكن عبد الله بن أبي . و في جواب سليمان لهشام لطيفة ، حيث لم يقل : ) أمير المؤمنين أعلم ( و يسكت ، بل قال أعلم : بما يقول ، أي : أعلم بقول نفسه ، لا أعلم بحقيقة الحال ، و لكن المقام بم يكن لتغني فيه مثل هذه الإشارة ، فلذلك قيض الله تعالى الزهري و وفقه ، فقال ما قال . وقوله لهشام - وهو الملك- } لا أبا لك { جرأة عظيمة .
ورع أهل الحديث :
و كانوا من الورع و عدم المحاباة على جانب عظيم ، حتى قال زيد بن أبي أنيسة : أخي يحيى يكذب .
و سئل جرير بن عبد الحميد عن أخيه أنس ، فقال : قد سمع من هشام بن عروة ، و لكنه يكذب في حديث الناس فلا يكتب عنه.
وروى علي بن المديني عن أبيه ، ثم قال : ) وفي حديث الشيخ ما فيه ( .
وقال أبو داود : ابني عبد الله كذاب.
و كان الإمام أبو بكر الصبغي ينهى عن السماع من أخيه محمد بن إسحاق.
حفظ علماء السلف لتراجم الرجال
كان الرحل لا يسمى عالما حتى يكون عارفا بأحوال رجال الحديث .
ففي ( تدريب الراوي ( قال الرافعي و غيره : إذا أوصي للعلماء لم يدخل الذين يسمعون الحديث ولا علم لهم بطرقه ولا بأسماء الرواة ... و قال الزركشي : أما الفقهاء، فاسم المحدث عندهم لا يطلق إلا على من حفظ متن الحديث، و علم عدالة رواته و جرحها ... و فال التاج السبكي ... إنما المحدث من عرف الأسانيد و العلل و أسماء الرجال ... و ذكر عن المزي أنه سئل عمن يستحق اسم الحافظ، فقال : ) أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم و يعرف تراجمهم و أحوالهم و بلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم ليكون الحكم للغالب ( .