﴿وانظرنا﴾ بدل قولهم: ﴿راعنا﴾ ﴿لَكَانَ﴾ قولهم هذا ﴿خَيْراً لَّهُمْ﴾ وأنفع من قولهم ذلك ﴿وَأَقْوَمُ﴾ أي أعدل في نفسه، وصيغة التفضيل إما على بابها واعتبار أصل الفعل في المفضل عليه بناءاً على اعتقادهم أو بطريق التهكم، وإما بمعنى اسم الفاعل فلا حاجة إلى تقدير من، وفي تقديم حال القول بالنسبة إليهم على حاله في نفسه إيماء إلى أن همم اليهود لعنهم الله تعالى طماحة إلى ما ينفعهم، والمنسبك من (أن) وما بعدها فاعل ثبت المقدر لدلالة أن عليه أي: لو ثبت قولهم سمعنا الخ وهو مذهب المبرد، وقيل: مبتدأ لا خبر له، وقيل: خبره مقدر.
(23/ 273)
﴿وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ﴾ أي ولكن لم يقولوا الأنفع والأقوم، واستمروا على ذلك فخذلهم الله تعالى وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بعد ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ اختار العلامة الثاني كونه استثناء من ضمير المفعول في ﴿لَّعَنَهُمُ﴾ أي ولكن لعنهم الله تعالى إلا فريقاً قليلاً منهم فإنه سبحانه لم يلعنهم فلهذا آمن من آمن منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه، وقيل: هو مستثنى من فاعل ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ويتجه عليه أن الوجه حينئذ الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب مع أن القراء قد اتفقوا على النصب، ويبعد منهم الاتفاق على غير المختار مع أنه يقتضي وقوع إيمان من لعنه الله تعالى وخذله إلا أن يحمل ﴿لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ﴾ على لعن أكثرهم وهو كما ترى، وقيل: إنه صفة مصدر محذوف أي إلا إيماناً قليلاً لأنهم وحدوا وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشريعته، والإيمان بمعنى التصديق لا الإيمان الشرعي، وجوز على هذا الوجه أن يراد بالقلة العدم كما في قوله:
قليل التشكي للمهم يصيبه ...
كثير الهوى شتى النوى والمسالك