والمراد أنهم لا يؤمنون إلا إيماناً معدوماً إما على حد ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى﴾ [الدخان: 56] أي إن كان المعدوم إيماناً فهم يحدثون شيئاً من الإيمان فهو من التعليق بالمحال، أو أن ما أحدثوه منه لما لم يشتمل على ما لا بد منه كان معدوماً انعدام الكل بجزئه، والوجه هو الأول. أ هـ ﴿روح المعانى حـ 5 صـ 45 ـ 49﴾
من فوائد ابن عاشور فى الآية
قال رحمه الله:
قوله تعالى ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾
يجوز أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً.
(23/ 274)
و ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، وهي خبر لمبتدإ محذوف دلّت عليه صفته وهي جملة ﴿يحرّفون﴾ والتقدير: قوم يحرّفون الكلَم.
وحَذْفُ المبتدإ في مثل هذا شائع في كلام العرب اجتزاء بالصفة عن الموصوف وذلك إذا كان المبتدأ موصوفاً بجملة أوْ ظرف، وكان بعضَ اسم مجرور بحرف ﴿من﴾، وذلك الاسم مقدّم على المبتدإ.
ومن كلمات العرب المأثورة قولهم: "مِنَّا ظعنَ ومنّا أقام" أي منّا فريق ظعن ومنّا فريق أقام.
ومنه قول ذي الرمّة:
فظَلّوا ومنهم دَمْعُهُ غالبٌ له ...
وآخرُ يذري دمْعة العين بالهَمْل
أي ومنهم فريق، بدليل قوله في العطف وآخر.
وقولُ تميم بن مُقْبِل:
ومَا الدَّهْر إلاّ تَارتان فمنهمَا ...
أمُوتُ وأخْرى أبتغي العَيشَ أكْدَح
وقد دلّ ضمير الجمع في قوله ﴿يحرّفون﴾ أنّ هذا صنيع فريق منهم، وقد قيل: إنّ المراد به رفاعة بن زيد بن التَّابوت من اليهود، ولعلّ قائل هذا يعني أنّه من جملة هؤلاء الفريق، إذ لا يجوز أن يكون المراد واحداً ويؤتى بضمير الجماعة، وليس المقام مقام إخفاء حتّى يكون على حدّ قوله عليه السلام: " ما بال أقوام يشترطون " الخ.