الثالث: كانوا يقولون راعنا ويوهمونه في ظاهر الأمر أنهم يريدون أرعنا سمعك، وكانوا يريدون سبه بالرعونة في لغتهم.
الرابع: أنهم كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم: ﴿راعنا﴾ راعينا، وكانوا يريدون أنك كنت ترعى أغناما لنا، وقوله: ﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ قال الواحدي: أصل (لياً) لويا، لأنه من لويت، ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون، ومثله الطي وفي تفسيره وجوه:
الأول: قال الفراء كانوا يقولون: راعنا ويريدون به الشتم، فذاك هو اللي، وكذلك قولهم: ﴿غير مسمع﴾ وأرادوا به لا سمعت، فهذا هو اللي.
الثاني: أنهم كانوا يصلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير على سبيل النفاق.
(23/ 263)
الثالث: لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام على سبيل السخرية، كما جرت عادة من يهزأ بإنسان بمثل هذا الأفعال، ثم بين تعالى أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء لطعنهم في الدين، لأنهم كانوا يقولون لأصحابهم: إنما نشتمه ولا يعرف، ولو كان نبيا لعرف ذلك، فأظهر الله تعالى ذلك فعرفه خبث ضمائرهم، فانقلب ما فعلوه طعنا في نبوته دلالة قاطعة على نبوته، لأن الإخبار عن الغيب معجز. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 10 صـ 96﴾
فائدة
قال ابن عطية:
وهذا الليّ باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني إسرائيل، ويحفظ منه في عصرنا أمثلة، إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب. أ هـ ﴿المحرر الوجيز حـ 2 صـ 62﴾
وقال أبو حيان بعد أن ذكر كلام ابن عطية السابق ما نصه:
وهو يحكي عن يهود الأندلس، وقد شاهدناهم وشاهدنا يهود ديار مصر على هذه الطريقة، وكأنهم يربون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير. أ هـ ﴿البحر المحيط حـ 3 صـ 275﴾