أما آية النساء فلم يرد فيها إفصاح بذكر المشهود عليهم ولا كناية عنهم بضمير ولا اسم إشارة بل فى آية النساء داع إلى تقدم المجرور بـ على وهو أنه لما تقدم قوله تعالى: "والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" وذلك من صفة المنافقين ناسب هذا تقديم المجرور فى قوله "وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" حتى كأنه بحسب المفهوم لم يقصد به غيرهم ولا شهد على من سواهم وقد تقدم نحو هذا ومنه
لتقربن قربا جلذيا ما دام فيهن فصيل حيا
وقال تعالى: "ولم يكن له كفوا أحد" وليس فى آية النحل ما يقتضى ذلك بل مقتضاها إطلاق شهادته عليه السلام للجميع من صالح وطالح إذ لم يتقدم قبلها التقييد بل ظاهر مما تقدمها أن المراد جميع من بعث صلى الله عليه وسلم إليه فهذان حاملان من الآيتين على وجوب ورود النظم على ما ورد.
(23/ 44)
وأيضا فإن قوله تعالى "شهيدا" فى آية النحل لم يقع فى الفواصل بل أثنائها وتأمل ذلك من لدن قوله تعالى: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا" إلى قوله "لعلكم تشكرون" ثم قال: "ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السماء ما يمسكهن إلا الله" إلى قوله "لقوم يؤمنون" واستمرار الآيات على ذلك إلى آخر السورة ولم يتخلل فيما اكتنف الآية قبلها وبعدها فيما قرب منها غير ذلك فقد تقررت فواصل هذه الآى من سورة النحل.
أما آية النساء فبناء نظمها على فواصل روعى فيها مجئ المنون المنصوب من غير التزام حرف بعينه واستمرت الآى قبلها على ذلك.
وقوله "جئنا بك على هؤلاء شهيدا" فاصلة استدعى ورودها على ذلك ما تقدمها من الفواصل وما تأخر عنها وانتظم ذلك على أعلى نظام وأجل مناسبة ولم يكن عكس الوارد فى الآيتين ليناسب والله أعلم. أ هـ ﴿ملاك التأويل صـ 103 ـ 104﴾
(23/ 45)
من فوائد ابن الجوزى فى الآية
قال رحمه الله: