واعلم أن الوالدين من الأقارب أيضا، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها، لا جرم ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد، ثم أتبعها بقرابة الرحم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ 10 صـ 77﴾
وقال الآلوسى
﴿وَبِذِى القربى﴾ أي بصاحب القرابة من أخ وعم وخال وأولاد كل ونحو ذلك، وأعيد الباء هنا ولم يعد في البقرة قال في "البحر": لأن هذا توصية لهذه الأمة فاعتنى به وأكد، وذلك في بني إسرائيل. أ هـ ﴿روح المعانى حـ 5 صـ 28﴾
(22/ 388)
وقال ابن عاشور:
﴿وذُو القربى﴾ صاحب القرابة، والقربى فُعلى، اسم للقُرب مصدرِ قَرُب كالرجعي، والمراد بها قرابة النسب، كما هو الغالب في هذا المركّب الإضافي: وهو قولهم: ذو القربى، وإنّما أمر بالإحسان إليه استبقاء لأواصر الودّ بين الأقارب، إذ كان العرب في الجاهلية قد حرّفوا حقوق القرابة فجعلوها سبب تنافس وتحاسد وتقاتل.
وأقوالهم في ذلك كثيرة في شعرهم؛ قال ارطأة بن سهية:
ونحو بنو عمّ على ذاكَ بيننا ...
زَرَابِيّ فيها بِغْضَةٌ وتَنَافُس
وحسبك ما كان بين بَكر وتغلب في حرب البَسُوس، وهما أقارب وأصهار، وقد كان المسلمون يومَها عَرَبا قَريبي عهد بالجاهلية؛ فلذلك حثّهم على الإحسان إلى القرابة.
وكانوا يحسنون بالجار، فإذا كان من قرابتهم لم يكترثوا بالإحسان إليه، وأكّد ذلك بإعادة حرف الجرّ بعد العاطف.
ومن أجل ذلك لم تؤكّد بالباء في حكاية وصية بني إسرائيل ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل إلى قوله: وذي القربى﴾ [البقرة: 83] لأنّ الإسلام أكّد أوامر القرابة أكثر من غيره.