واعلم أن سببَ محبةِ الله : معرفتُه ، فتقوى المحبة على قدر المعرفة ، وتضعف على قدر ضعف المعرفة ، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين أو كلاهما إذا اجتمعا ، ولا شك أنهما اجتمعا في حق الله تعالى على غاية الكمال ؛ فالموجب الأول : الحسن والجمال ، والآخر الإحسان والإجمال ، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع ، فإن الإنسان بالضرورة يجب كل ما يُستحسن ، ولا جمالَ مثلُ جمال الله تعالى ، في حكمته البالغة وصنائعه البديعة ، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار ، التي تَرُوق العقول وتبهج القلوب ، وإنما يُدْرَك جمالُه تعالى بالبصائر لا بالأبصار.
وأما الإحسان فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، وإحسان الله إلى عباده متواتر ، وإنعامُه عليهم باطن وظاهر ، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم : 34] ، ويكفيك أنه يُحسن إلى المطيع والعاصي ، وإلا المؤمن والكافر ، وكل إحسان ينبس إلى غيره فهو في الحقيقة منه وحدَه ، فهو المستحق للمحبة وحده.
واعلم أن محبة الله إذا تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح ، من الجد في طاعته ، والنَّشَطِ لخدمته ، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته ، والرضا بقضائه ، والشوق إلى لقائه ، والأُنْس بذكره ، والاسْتِيحَاش مِنْ غيره ، والفرار من الناس ، والانفراد في الخلوات ، وخروج الدنيا من القلب ، ومحبة كل ما يحب الله ، وكل من يحب الله ، وإيثار الله على كل ما سواه.
قال الحارث المحاسبي : (المحبة ميلك إلى المحبوب بِكُلِّيتِكَ ، ثم إيثارك له على نفسك ورُوحك ، ثم موافقته سرّاً وجهراً ، ثم علمك بتقصيرك في حبه).
قلت : ظاهره أن المحبة أعلى من المعرفة ، والتحقيق أن المعرفة أعلى من جميع المقامات ؛ لأنها لا تبقى معها بقية من الحجاب أصلاً ، بخلاف المحبة ، فإنها تكون بقية الحجاب ، ألا ترى أن المحب يستوحش من الخلق ، والعارف لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء.