فإن قيل : " فواحدة " جواب لقوله : ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ﴾ فكيف يكون جواباً للأول ؛ فالجواب : أنَّهُ أَعَادَ الشرط الثاني لأنه كالأول في المعنى ، لما طالَ الفصل بين الأول وجوابه وفيه نظر لا يخفى. والخوف هنا على بابه فالمراد به الحذر.
وقال أبو عبيدة إنه بمعنى اليقين وأنشد الشاعر : [ الطويل ]
فَقُلْتُ لهُمْ خَافُوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ... سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِي الْمُسَرَّدِ
أي : أيقِنُوا ، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيْقُ ذلك والردُّ عليه عند قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ [ البقرة : 229 ].
قوله : ﴿ أَلاَّ تُقْسِطُواْ ﴾ إنْ قَدَّرَتْ أنها على حذف حرف الجر ، أي : " مِنْ أن لا " ففيها الخلاف المشهور أي : في محل نصب [ أو جر ، وإنْ لم تقدّر ذلك بل وصل الفعل إليها بنفسه ، كأنك قلت : " فَإنْ حَذَرْتم " فهي في محل نصب ] فقط كما تَقَدَّمَ في البقرة.
وقرا الجمهور : " تقسطوا " بضم التاء ، من أقْسَط : إذا عدل ، فتكون لا على هذه القراءة نافيةُ ، والتقديرُ : وإنْ خِفْتُمْ عدم الإقساط أي : العدل.
وقرأ إبراهيم النخعي : ويحيى بن وثَّاب بفتحها من " قسط " وفيها تأويلان :
أحدهما : أن " قَسَطَ " بمعنى " جار " ، وهذا هو المشهور في اللغة ، أعني أن الرباعي بمعنى عَدَلَ ، والثلاثي بمعنى جار ، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلْبِ بمعنى " أقسط " أي : أزال القسط وهو الجور ، و" لا " على هذا القول زائدة ليس إلا ، وإلا يفسد المعنى كهي في قوله : ﴿ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب ﴾ [ الحديد : 29 ].