أحدها : أن " مِنْ " لبيان الجنسِ ، بيِّن جنس العامل ، والتقدير : الذي هو ذكرٌ أو أنثى ، وإن كان بعضهم قد اشترطَ في البيانيةِ أن تدخلَ على معرَّفٍ بلامِ الجنسِ.
ثانيها : أنَّهَا زائدةٌ ، لتقدم النفي في الكلام ، وعلى هذا فيكون ﴿ مِّن ذَكَرٍ ﴾ بدلاً من نفس " عَامِلٍ " ، كأنه قيل : عامل ذكر أو أنثى ، ولكنْ فيه نظرٌ ؛ من حيثُ إنَّ البدلَ لا يُزاد فيه " من ".
ثالثها : أنها متعلقة بمحذوف ؛ لأنها حالٌ من الضمير المستكن في " مِنْكُمْ " ؛ لأنه لما وقع صفة تحمَّل ضميراً ، والعامل في الحال العامل في " مِنْكُمْ " أي : عامل كائن منكم كائناً من ذكر.
رابعها : أن يكون " مِنْ ذكرٍ " بدلاً من " مِنْكُمْ " ؛ قال أبو البقاء : " وهو بدلُ الشيء من الشيء ، وهما لعين واحدة ".
يعني فيكون بدلاً تفصيليًّا بإعادة العامل ، كقوله : ﴿ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ﴾ [ الأعراف : 75 ] وقوله : ﴿ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ ﴾ [ الزخرف : 33 ] وفيه إشكالٌ من وجهينِ :
الأول : أنه بدل ظاهر من حاضر في بدل كل من كل ، وهو لا يجوز إلا عند الأخفش ، وقيَّد بعضُهم جوازه بأن يفيد إحاطة ، كقوله : [ الطويل ]
فَمَا بَرِحَتْ أقْدامُنَا فِي مَكَانِنَا... ثَلاَثَتُنَا حَتَّى أرينَا الْمَنَائِيَا
وقوله تعالى : ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ [ المائدة : 114 ] فلما أفاد الإحاطةَ والتأكيدَ جاز ، واستدل الأخْفَش بقول الشَّاعرِ : [ البسيط ]
بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ... وَأمَّ نَهْجَ الْهُدَى مَنْ كَانَ ضِلِّيلا
وقول الآخرِ : [ الطويل ]
وَشَوْهَاءَ تَعْدُو بِي إلَى صَارِخِ الْوَغَى... بِمُسْتَلئِمٍ مِثْلِ الْفَنِيقِ المُدَجَّلِ