الثالث : أنه على إسقاطِ حرفٍ خافضٍ - وهو الباء - والمعنى : ما خلقتهما بباطلٍ ، بل بحَقٍّ وقُدْرَةٍ.
الرابع : أنه مفعول من أجله ، و" فاعل " قد يجيء مصدراً ، كالعاقبة ، والعافية.
الخامس : أنه مفعولٌ ثانٍ لـ " خلق " قالوا : و" خلق " إذا كانت بمعنى " جَعَلَ " التي تتعدى لاثنين ، تعدّت لاثنين. وهذا غيرُ معروفٍ عند أهلِ العربيةِ ، بل المعروف أن " جعل " إذا كانت بمعنى " خلق " تعدت لواحدٍ فقط.
وأحسن هذه الأعاريب أن تكون حالاً مِنْ " هَذَا " وهي حالٌ لا يُسْتَغنَى عَنْهَا ؛ لأنها لو حُذِفَتْ لاختلَّ الكلامُ ، وهي كقوله تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ﴾ [ الدخان : 38 ].
قوله : ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ تقدم إعرابه ، وهو معترض بين قوله : ﴿ رَبَّنَآ ﴾ وبين قوله : ﴿ فَقِنَا ﴾.
وقال أبو البقاء : " دخلت الفاء لمعنى الجزاءِ ، والتقدير : إذا نَزهناك ، أو وحَّدْناك فقنا ".
وهذا لا حاجةَ إليه ، بل التسبب فيها ظاهرٌ ؛ تسبب عن قولهم : ﴿ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ ﴾ طلبهم وقاية النار.
وقيل : هي لترتيب السؤالِ على ما تضمنه ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ من معنى الفعل ، أي : سبحانك فقنا. وأبْعَد مَنْ ذَهَب إلى أنها للترتيب على ما تضمنه النداء.
قوله : ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار ﴾ " من " شرطية ، مفعول مقدم ، واجب التقديم ، لأن له صدرَ الكلام ، و" تُدْخِل " مجزوم بها ، و﴿ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ جوابٌ لها.
وحكى أبو البقاءِ عن بعضهم قولين غريبين :
الأول : أن تكون " من " منصوبة بفعل مقدَّر ، يُفَسِّره قوله : ﴿ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾. وهذا غلطٌ ؛ لأن مَنْ شرط الاشتغال صحة تسلط ما يفسَّر على ما هو منصوب ، والجوابُ لا يعمل فيما قبل فعل الشرط ؛ لأنه لا يتقدم على الشرط.